الجزائر
شبابٌ يصنعون المُستقبل من صفحات الكتب

سِيلا 2026… الرّيادة والكاريزما وصناعة المُحتوى في مواجهة تحديات الذّكاء الاصطناعي

روبورتاج: وهيبة. س
  • 90
  • 0
ح.م

كتب التاريخ والذاكرة كأداة لتشكيل الهوية

لم يعد طموح الشباب الجزائري اليوم يقتصر على البحث عن وظيفة أو انتظار فرصة تطرق أبوابهم، بل أصبح يتّجه نحو صناعة الفرص، وابتكار المشاريع، وبناء العلاقات الشخصية، واقتحام عالم التكنولوجيا بثقة وإبداع… معرض “سيلا 2026″، عكس هذا الاهتمام، إذ برزت الريادة والكاريزما وصناعة المحتوى بوصفها محاور أساسية في تفكير جيل يسعى إلى إثبات حضوره ورسم ملامح مستقبله في زمن الذكاء الاصطناعي.
وفي أجنحة دور النشر بالمعرض الدولي للكتاب بقصر المعارض الصنوبر البحري بالعاصمة، تبين أن اهتمام الزوار من الشباب، لم يقتصر على الكتب والإصدارات الجديدة، بل امتد إلى الأفكار التي تصنع التغيير في حياتهم الاجتماعية والمهنيّة، والتجارب التي تلهم النجاح، والمعارف التي تساعدهم على فهم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وهناك من يبحث عن أسرار ريادة الأعمال وإطلاق المشاريع الناشئة، ومن يهتم بتطوير شخصيته وصقل مهارات التواصل والإقناع، فيما وجد آخرون في تجارب صناع المحتوى الرقمي، من خلال كتبهم، مساحة رحبة للتعلم من أفكار رواد العالم الرقمي، وتحويل تجارب هؤلاء إلى مشاريع مؤثرة.

الرّيادة… من عقلية الانتظار إلى ثقافة المبادرة
ومن خلال جولة استطلاعية عبر دور نشر جزائرية وأجنبية بكل من قاعتيْ فلسطين والمصالحة، خلال معرض سيلا 2026، لاحظنا الإقبال الملحوظ لفئة الشباب خاصة من الطلبة في الثانويات والجامعات، إذ أصبحت كتب وبحوث ومؤلفات الريادة لدى فئة واسعة منهم أكثر من مجرد مصطلح اقتصادي، إذ إنها عقلية تقوم على المبادرة والابتكار وتحويل الأفكار إلى واقع ملموس.
فقد قال ممثل دار القصبة للنشر، سعيد سبعون، إن شاب اليوم يدرك أن امتلاك فكرة جيدة لا يكفي، بل يحتاج إلى المعرفة والتخطيط والقدرة على مواجهة التحديات، فضلا عن الاستعداد لتحمل المسؤولية والمخاطرة المحسوبة.
ويرى أن هذه الفئة باتت تبحث عن التاريخ والذاكرة كأداة لتشكيل الهوية، والانطلاق نحو مستقبل أكثر حاجة للتحديات الجديدة.
ومن جانبه، أكد ممثل المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، فاضل زاكر، أن أهمية المعارض الثقافية والفضاءات المعرفية، تبرز أهميتها، في توسيع آفاق الشباب، وربط القراءة بالتفكير الإبداعي، وتعزيز ثقافة المبادرة التي تجعل من المعرفة نقطة انطلاق نحو المشاريع والإنجازات.

الكاريزما… قوّة الحضور في عالم سريع التغير
وفي مقابل المهارات التقنية، اتضح من خلال المعرض الدولي للكتاب في طبعته التاسعة والعشرين، اهتمام متزايد للشباب، بالكاريزما وفنون التواصل وبناء الشخصية القيادية. إذ قال أحد الزوار لـ ” الشروق”: “إن امتلاك المعارف وحده لم يعد كافيا، بل أصبح من الضروري معرفة كيفية تقديم الأفكار، والتأثير الإيجابي في الآخرين، وإدارة الحوار، والتفاوض، والعمل ضمن فريق”.
ورصدنا بعض الكتب التي كان يتصفحها بعض الشباب سواء لشرائها أم لمجرد أخذ فكرة عنها وقراءة بعض المقتطفات لتحميلها عبر الإنترنت ومعرفة تفاصيل محتواها.
ولقي كتاب “أصحاب الكريزما” للدكتور إيهاب بكري، المتوفر في جناح دار دون قاعة فلسطين بقصر المعارض الصنوبر البحري، اهتماما ملحوظا من بعض الشباب، إلى جانب كتاب “أهم 30 ثانية في حياتك العملية” للكاتب مدحت ياسين، الذي يعالج التفكير الضاغط، وأيضا كتاب “التعامل مع الناس” لديل كارنيجي المتواجد في جناح دار الوعي.
وعبّر أحد الطلبة، الذين انتهزوا فرصة عطلة الفاتح من نوفمبر، لزيارة “سيلا 2026″، عن شغفه بكتاب “اللغة الصامتة للجسد” و”كلنا مرضى نفسيون”، وهي كتب لدار النشر “عصير الكتب.”

تنمية الذات… الأكثر طلبا
ومن بين كتب بناء الذات وصقل المهارات وتكوين شخصية الكريزما، والمتوفرة في قاعة فلسطين، كتاب “عامل نفسك برفق” للمؤلفة مورتني كارفر، وهو مؤلف متخصص في تبسيط الحياة، وتقليل الفوضى.
وفي حديثه لـ “الشروق”، قال زائر للمعرض، إن تعلم مهارات التحدث بطلاقة مع أي شخص وطرق بدء إدارة الكلام، يمكن أن نجد كل هذا في مؤلف “باتريك كينغ”، المعنون بـ “كاريزما الحوار” ترجمة رانيا صلاح.
وكان كتاب “كيف تنجح في بيئة عمل معقدة” للمؤلف ريان ليك ترجمة مايسة عبد الرحمان، من بين كتب التنمية البشرية، التي يبحث عنها بعض المتجولين في قاعة فلسطين، إذ يؤكد المؤلف في كتابه أن “بيئة العمل في بعض المؤسسات ليست دائما هادئة، فهي أشبه بساحة معركة، هناك المدير الغاضب، الزميل المريب، وشريك العمل المتقلب، والعميل الذي لا يرضى”، موضحا أننا لا نستطيع تغيير الآخرين، لكن يمكننا تغيير استجاباتنا وردود أفعالنا، فالكتاب يعلمنا استراتيجيات ذاتية للتعامل مع شخصيات معقدة، في بيئة العمل، وتحويل العلاقات الصعبة إلى نقاط قوة تعاونية.
وفي “سيلا 2026” كتب كثيرة، شدّت عناوينها إليها الأنظار، ولاقت اهتمام شباب يحلمون بالريادة والتميز، ككتاب “فن التأثير في الآخر”، وكاتب “علاج الاحتراق الوظيفي”، كتاب “فكر أقل وأنجز أكثر”، هذا الأخير الذي يؤكد أن النجاح يحتاج إلى الحركة السريعة، فهو دليل عملي لكسر الشلل الذهني، وتجار المماطلة اللانهائية، ألفه بيتر هوليتز، وترجمته رانيا صلاح.
كتاب “عقلية العباقرة”، هو الآخر كان مصدر اهتمام الباحثين عن تعلم كيفية الحصول على التميز وأسرار عقول متعددة المهارات، وهو للكاتب بتيرز هوليتز، وترجمة أسماء عرفة.
وأما كتب مثل “استراتيجيات الثقة بالنفس للنساء”، و”أنت واعية” للمؤلفة ابتسام القاضي، دار نشر آفاق، كانت واحدة من كتب قاعة فلسطين، التي استقطبت الجنس اللطيف.
وبحسب أغلب الكتب الخاصة بعلم النفس وبناء الشخصية، فإن الكاريزما الحقيقية ليست مجرد مظهر أو قدرة على لفت الانتباه، بل هي مزيج من الثقة بالنفس والوعي والذكاء العاطفي وحسن الإصغاء والقدرة على الإقناع، وهي مهارات تزداد أهميتها في عالم تتوسع فيه قدرات الآلات، بينما تظل اللمسة الإنسانية عاملا أساسيا في بناء الثقة والعلاقات وصناعة القيادة.

شغف جديد يجذب الشباب لصناعة المحتوى الهادف
ومن خلال جولتنا في المعرض الدولي للكتاب في طبعته الـ 29، أكد بعض الشباب من خلال اهتمامهم ببعض الكتب، أن صناعة المحتوى لم تعد مجرد هواية يمارسها البعض في أوقات الفراغ، بل أصبحت شغفا متناميا وفضاء واسعا للتعبير عن الأفكار والمواهب وصناعة التأثير. فمع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، يتجه عدد متزايد من الشباب الجزائري إلى تعلم مهارات التصوير والمونتاج والكتابة والتقديم، بحثا عن التميز وإبراز قدراتهم.
وفي مقابل ذلك، فإن بعض صناع المحتوى اختاروا أن ينقلوا تجاربهم من الفضاء الرقمي، إلى الكتب، وذلك مثل ما قامت به المؤثرة والكاتبة لبنى عبد اللاّوي، في مؤلفها “رهشة” الذي يعتبر من الكتب التوعوية والتربوية البارزة الموجهة لحماية الأطفال والجيل الصاعد فهو يعالج قضايا اجتماعية حساسة بأسلوب قصصي ممتع، مثل مكافحة التنمر المدرسي، الحماية ضد الاختطاف، والتوعية بمخاطر الابتزاز على مواقع التواصل الاجتماعي.
وبين الرغبة في الإبداع والطموح إلى النجاح، يكتشف بعض الشباب أن صناعة المحتوى ليست مجرد نشر فيديوهات أو صور، بل فن يقوم على الفكرة والإبداع والاستمرارية، إذ تتحول الشاشات إلى منصات للأحلام، ويصبح المحتوى وسيلة لجيل جزائري يسعى إلى إيصال صوته وترك بصمته في العالم الرقمي.
ولأن “سيلا 2026 ” وفّرت كتبا تعلم صناعة المحتوى باحترافية، فإن البحث عنها كان واضحا بين أجنحة المعرض، حيث لقي كتاب “المرجع الشامل لصناعة المحتوى: من النبضة الرقمية إلى الخلود السردي” للمؤلفة حورية خثير، إقبال بعض المهتمين بهذا المجال، فقد تم عرضه في جناح دار كنوز للنشر والتوزيع بقاعة المصالحة “السونترال”، وهو موجه لصناع المحتوى، الإعلاميين، الطلاب، والمبدعين الرقميين، كدليل تطبيقي واستراتيجي أكثر شمولا وتكاملا.

شبابٌ يطورون مهارات الكتابة والتصوير والسّرد القصصي
ويعتبر بحسب ما جاء فيه، موسوعة تطبيقية تفتح أسرار احتراف وصناعة المحتوى الرقمي عبر ثلاثة أبواب رئيسية شاملة، إذ يجمع الكتاب بين هندسة سيناريو الفيديوهات القصيرة والسريعة (تيك توك وريلز)، وأسرار صناعة فيديوهات يوتيوب المؤثرة، وصولا لفنون السرد الصوتي والتفاعلي وإنتاج البودكاست البصري والهجين. ويعتبره مؤلفه كمرجع استراتيجي متكامل لا غنى عنه لبناء علامة تجارية وإرث إبداعي مستدام.
وفي الوقت، الذي يطمح فيه، الكثير من الشباب إلى تطوير مهارات الكتابة والتصوير والمونتاج والسرد القصصي، وبناء محتوى هادف يمتلك هوية ورسالة، ويستطيع الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه، هناك مخاوف من محتويات المؤثرين الرقميين، التي قد تهدم مستقبل بعض الأجيال، فلمواجهة ذلك، لم يتخلف معرض “سيلا 2026″، عن عرض كتب ومؤلفات وبحوث، تحذر من المحتوى الرقمي الهابط، إذ شارك مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية في الطبعة التاسعة والعشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر، وفي جناح فلسطين، بأحدث الإصدارات العلمية والكتب والمنشورات الجديدة في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والأنثروبولوجيا، من بينها مؤلف “الشهرة الرقمية وصناعة القدوات الوهمية: كيف غيّر المؤثرون سلم القيم لدى الشباب الجزائري؟”، ومرافق “الطفولة الجزائرية في زمن الخوارزميات: هل فقد الأولياء السيطرة على التنشئة الاجتماعية؟”.

الذكاء الاصطناعي… فرصة جيل المستقبل

ولأن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أبرز التحولات التي تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي، وتفتح آفاقا غير مسبوقة أمام الشباب والمبتكرين، من الطب والتعليم إلى الصناعة والتجارة وريادة الأعمال، ومن خلال تطبيقاته التي تقدم حلولا ذكية تساعد على تحسين الأداء، وتطوير الخدمات، وترشيد التكاليف، وتسريع الإنجاز، فإن الكتب والمؤلفات التي تعلم كيفية الحفاظ على القيمة الإنسانية والإبداعية في عالم تستطيع فيه الآلات إنتاج النصوص والصور وتحليل البيانات وإنجاز العديد من المهام، وكيفية تحقيق تحدي لا يكمن في استخدام التكنولوجيا فحسب، بل في توظيفها بمسؤولية وإبداع، والحفاظ على دور الإنسان باعتباره محور التنمية وصانع القرار، موجودة هي الأخرى في الطبعة التاسعة والعشرين للمعرض الدولي للكتاب بالجزائر.
إن ما كشفته اهتمامات الشباب في “سيلا 2026 ” يتجاوز حدود التفاعل مع الكتب والإصدارات، فقد عكس تحولا في طبيعة الطموحات والتطلعات، فبعضهم يبحثون عن المعرفة التي تمنحهم القدرة على المبادرة، والمهارات التي تعزز حضورهم، والأدوات التي تساعدهم على المنافسة في سوق يتغير باستمرار.
وقد كان لكتاب “حزمة الاقتصاد الرقمي: التجارة الإلكترونية العابرة للحدود بلغة الضاد” للدكتور ما تشون هوا، التفاتة واضحة من بعض الزوار، فهو مؤلف موجه للباحثين، والأكاديميين، وطلاب الجامعات ورواد الأعمال، يعتبر دليل أكاديمي وتطبيقي شامل يربط بين أُسس الاقتصاد الرقمي والمنصات العالمية وبين آليات التشغيل الميداني، إدارة سلاسل الإمداد، التسويق الرقمي، والتجارة عبر البث المباشر.
ويرى البروفسور بشير مصيطفى، رئيس مؤسسة صناعة الغد، أن المشاريع المستقبلية تتجه نحو توظيف التقنيات التقنيات الحديثة في ابتكار تطبيقات جديدة، وتطوير المؤسسات الناشئة، وتحليل البيانات، وصناعة حلول تستجيب لحاجيات المجتمع، إذ كان لكتابه الجديد “استشراف القرن 22… قرن الفكرة الثقافية”، الذي عرض بجناح دار “الخلدونية”، موقع هام بين مؤلفات تخبر قراء سيلا 2026، أن المستقبل لن يكون بالضرورة لمن يمتلك أحدث التقنيات فحسب، بل لمن يعرف كيف يوظفها، ويطور قدراته، ويصنع أفكاره، ويمنح عمله قيمة إنسانية وإبداعية، فبين الريادة التي تصنع الفرص، والكاريزما التي تبني التأثير، وصناعة المحتوى التي تنقل الأفكار، يقف الشباب الجزائري اليوم أمام تحد كبير وفرصة أكبر، لكي لا يكونوا مجرد مستهلكين للتكنولوجيا، بل صناعا لها ومساهمين في توجيه مستقبلها.
والشباب في سيلا 2026، بحسب استطلاع “الشروق”، لا يبحثون فقط عن كتاب يقرؤونه، بل عن فكرة تلهمهم، ومهارة تطورهم، وفرصة تساعدهم على كتابة فصل جديد من مستقبلهم.

مقالات ذات صلة