الجزائر
"جنايات وهران" أدانته بـ15 سنة سجنا

شاب من كردستان سوريا يقتل جزائريا بسبب “الحرقة”

خ. غ
  • 2149
  • 0
أرشيف

وقّعت محكمة الجنايات الابتدائية بمجلس قضاء وهران، الإثنين، عقوبة 15 سنة سجنا في حق سوري، تورط في قتل شاب جزائري بسلاح أبيض، بقر به بطنه إلى أن تدفقت منها أمعاؤه، كما أدانت شركاءه من مواطنيه، في ذات الجريمة بخمس سنوات سجنا نافذا، فيما برأت جزائريين من جنحتي عدم التبليغ عن جناية وعدم تقديم المساعدة للضحية.
تعود وقائع هذه القضية المتابع فيها 15 متهما، إلى تاريخ 18 أوت 2022 بحي العقيد لطفي في شرق وهران، عندما تلقت مصالح الأمن معلومات، مفادها تعرض شخص لطعنة سكين، أخرجت أحشاءه من بطنها، في الطريق العام. وبتنقل رجال الشرطة والحماية المدنية إلى عين المكان، تم التأكد من موت الضحية، فيما تم في مكان غير بعيد عن مسرح الجريمة، العثور على السلاح الذي استعمل في تنفيذها، وهو عبارة عن سكين كبير.
التحقيق الأولي الذي باشرته مصالح الضبطية القضائية في قضية الحال، توصل إلى أن خلافا حادا وعنيفا وقع بين جماعتين، إحداهما مكونة من سوريين من القومية الكردية دخلوا التراب الوطني بطريقة غير قانونية، والأخرى تضم جزائريين، انتهى بمقتل الضحية وجرح آخر من الطرف الثاني، كما اتضح أيضا أن سبب تشاجر الجانبين بالأسلحة البيضاء والعصي، كان له علاقة بمشروع رحلة سرية في اتجاه إسبانيا، اشتمت منه روائح النصب على الراغبين في خوض غمار الهجرة غير الشرعية وسلب أموالهم.

عملية نصب مفترضة
وبخصوص تواجد الضحيتين في قلب تلك الاشتباكات، وهما المتوفى (هـ. ل) والجريح المدعو (د. ع)، الذي تحول بعد ذلك إلى متهم في قضية الحال بعد مقتل الأول، أوردت المعلومات المحصل عليها من طرف جهات التحقيق، أن كليهما انتقل في تلك الأثناء إلى مكان تواجد أولئك السوريين، بغرض وضع اللمسات الأخيرة معهم، حول الرحلة السرية التي جاء لأجلها هؤلاء، بينما كانا يمثلان الطرف الذي يعرض تنظيم هذا النوع من السفريات، خاصة أن موعد انطلاق رحلتهم تأجل لثلاث مرات، وفي كل كان هناك سبب مختلف، إلى أن تعززت شكوك السوريين بأنها لن ترى النور أبدا، وبات الأهم في اعتقادهم كيفية استرجاع الأموال التي حولت لصالح منظمي رحلات “الحرقة” الوهميين من طرف من وقع من أبناء جلدتهم وعشيرتهم ضحايا في فخاخ أولئك الجزائريين.
وجاء في ملف القضية، أن الضحيتين سالفي الذكر، كانا وقتها بصدد نقل أولئك الرعايا السوريين على مراحل بواسطة سيارة من نوع – بيكانتو، فيما لفت انتباه المحققين في حادثة أخرى، لكنها متصلة، تقدم شخص أجنبي من جنسية سورية إلى مصلحة الاستعجالات بمستشفى إيسطو، يشكو في نفس تاريخ الواقعة تعرضه لجروح خطيرة على مستوى يده، ويتعلق الأمر بالجاني المدعو (د. م)، وعند التوجه إليه واستفساره عن السبب من طرف الشرطة، رد بالقول أنه جرح نفسه بسكين في المنزل أثناء قيامه بتقطيع اللحم.
فيما كشفت التحريات الأمنية بالموازاة، عن أن هذا الأخير يقيم رفقة عدد من السوريين في شقة تقع في حي العقيد لطفي، وعلى مقربة من مكان وقوع الجريمة التي راح ضحيتها الشاب الجزائري المذكور، ليتم تبعا لذلك، استجواب المشتبه فيه المدعو (د. م)، عن واقعة القتل التي ارتكبها سوريون يقيمون في نفس المقر السكني الذي ينزل فيه، حيث إنه لم ينكر تواجده في عين المكان أثناء نشوب الشجار بين الضحية ومن أسماهم بالجناة، مشيرا إلى أن المشهد كان يومها مروّعا بين طرفي النزاع، أحدهما كان مسلحا بالسكاكين، والآخر بالهراوات والحجارة، موجّها في المقابل أصابع الاتهام نحو شخص، قال إنه معروف باسم (أبي حامد)، زاعما أنه شاهده وهو يضرب الضحية بسكين من الحجم الكبير، مثلما أدلى أمام الضبطية القضائية بتصريحات، جاء فيها أن عددا من السوريين كانوا قد قدموا على متن سيارة قبل واقعة القتل ببرهة، واستهدفوا رأسا مكان تواجد مجموعة من الجزائريين بحي العقيد لطفي، ثم قاموا بمهاجمتهم بشراسة، مقدما أسماء بعينها للأشخاص الذين كانوا في مسرح الجريمة من الجانب المعتدي، وهم أنفسهم المتهمون السوريون المحالون على محكمة الجنايات في ملف الحال، حيث قال إنهم كانوا متواجدين أثناء الشجار.

قتل وتنكيل ببرودة دم
في حين أكدت شهادات شهود على أن المدعو (د. م) هو من طعن الضحية، ومنهم من قدم تفاصيل عن ذلك، بالقول إنهم لمحوه وهو ينهال بالسكين على رأس المجني عليه، ثم تنحى جانبا، ليعاود الكرة بطعنة أخرى قاتلة أسكنها بدم بارد في بطنه، لتخرج من شق أحدثه فيها بطول سنتيمترات أمعاءه، في منظر لا يتحمل رؤيته أصحاب القلوب الحساسة، كما أفاد شاهد آخر بتوجه ذات المتهم قبل ذلك إلى محله، طالبا منه تزويده بسبعة سكاكين في مقابل مبلغ 5 آلاف دينار جزائري.
وكذلك صرح حارس حظيرة قريبة من مكان الشجار أنه عاين حشدا مكونا من حوالي عشرين شخصا من أكراد سوريا قاموا جماعة بالاعتداء على جزائريين في هجوم قيل أن دافعه تصفية حسابات عن طريق القوة والعنف، لكن عند سماع المتهمين الموقوفين في الموضوع، أجمعوا على أن كل الذي وقع من جانبهم كان مجرد شجار، سببه تعرضهم للنصب والاحتيال من طرف من أوهموهم بنشاطهم في تهريب المهاجرين إلى أوروبا، نافين تماما قيامهم بقتل أي شخص في تلك المشاجرة أو لديهم مسؤولية وإن صغر حجمها في وقوع تلك الجريمة، ليتم بعد استكمال إجراءات التحقيق الأمني والقضائي مع 15 مشتبها فيهم، اتهام السوري المدعو (د. م) بارتكابه جناية القتل العمدي مع سبق الإصرار، وبجناية المشاركة في ذات الفعل بالنسبة لباقي الرعايا السوريين، وهم (إ. ش. م)، (م. ع. إ)، (أ. م. ح)، (ص. م. ح)، (ش. ع)، (م. م. ع)، (ف. م. م)، (س. م)، (ع. ت)، (ش. أ. ي) و(أ. ف)، بالإضافة إلى جزائري يدعى (ب. س)، وإحالة جزائريين اثنين آخرين على محكمة الجنايات الابتدائية، أحدهما كان مرافقا للضحية في مشواره إلى هؤلاء، وذلك بتهمتي عدم الإبلاغ عن جريمة وعدم تقديم يد المساعدة لشخص في حالة خطر، ويتعلق الأمر بالمتهمين (د. ع) و(ب. و).

“أمجد الشامي” .. الرجل اللغز
أمام هيئة المحكمة جاء معظم المتهمين السوريين بتصريحات مناقضة لأقوالهم أثناء التحقيق، حيث أنكروا علاقتهم بمقتل الضحية (هـ. ل)، وبتواجدهم في مكان ووقت حدوث الشجار الذي انتهى بتلك الجريمة الفظيعة، فيما أجمعوا على أنهم دخلوا التراب الوطني بطريقة غير شرعية مرورا بعدد من الدول العربية، قصد تمكينهم من الهجرة السرية نحو إسبانيا، وهذا بعد الاتفاق مع المتهم الفار في قضية الحال المدعو (ش. أ. ي)، وهو وكيل زعيم شبكة تهريب الحراقة السوريين، المكنى باسم (أمجد الشامي)، وذراعه الأيمن في تسيير نشاطه المجرم وغير الشرعي في الجزائر، مؤكدين على أن هذا الأخير كان يتلقى تحويلات مالية في رصيده عبر حسابه الشخصي، نظير تهجيره للحراقة من أبناء بلده، وكذلك كان يقوم بذلك مع بعض الحالات التي كان يسفّرها أولا، ثم يترقب منها دفع مستحقاته على ذلك عند وصولها إلى الضفة الأخرى في غياب أي ضمانات مسبقة، وهو ما لم تقتنع به هيئة المحكمة.
وكذلك نفى المتهم بقتل الضحية ارتكابه لهذا الفعل، متمسكا في المقابل بنسب التهمة إلى المسمى (أحمد أبو حامد)، مضيفا أنه قدم إلى وهران كغيره من أولئك السوريين الذين التقاهم صدفة وبدون سابق معرفة في الشقة التي جهزها المدعو (ش. أ. ي) لصالحهم بحي العقيد لطفي، وبناء على توجيهات من سيده (أمجد الشامي)، الذي قال إنه لا يعرفه شخصيا، لكنه سمع عنه الكثير بشأن نجاحه في تهجير الكثير من السوريين إلى أوروبا سرا عبر بوابة الجزائر وغيرها من البلدان المتوسطية بإفريقيا.
كما لم ينكر ذات المتهم تواجده في مكان الشجار، الذي قال أنه حدث بين الضحية الذي كان برفقة المدعو (د. ع) والطرف السوري ممثلا في شخص المدعو (ش. أ. ي) بسبب اختلافهم حول أموال الحراقة، مشيرا إلى أن مشكلته كانت مع هذا الأخير الذي نصب عليه وعلى غيره من السوريين، وأنه لم يتعرض مطلقا للمرحوم (هـ. ل).

النيابة تنبّه إلى خطورة الوقائع
كما تراجع عن تصريحه بشأن باقي المتهمين السوريين، حيث أنكر تعرفه عليهم عند مواجهته بالأشخاص الذين كانوا متواجدين أثناء الشجار، مشيرا إلى أن السوريين المقصودين هم أشخاص آخرون غير هؤلاء المحالين إلى جانبه للمحاكمة.
أما الجزائري المدعو (ب. س)، الذي ورد اسمه في قائمة المتهمين على أن السيارة التي استعملها المتهم الفار (ش. أ. ي) في نقل المهاجرين غير الشرعيين والتوجه بها إلى مكان الشجار، تعود ملكيتها إليه في الأصل، فقد درأ عن نفسه تلك التهمة، مستشهدا بوثائق رسمية تثبت أنه باعها لشقيق جاره المدعو (ش. أ. ي) بولاية تلمسان بموجب إجراءات شطب البطاقة الرمادية الخاصة بملكيته لتلك السيارة قبل تاريخ الواقعة، ليخلي بذلك مسؤوليته عما استغلت لأجله بعد إتمامه عملية البيع والتسوية الإدارية لوثائق تسجيلها.
وكذلك أنكر المتهمان بجنحتي عدم الإبلاغ عن جناية وعدم تقديم يد المساعدة لشخص في حالة خطر ارتكابهما ذلك، حيث أشار المدعو (د. ع) أنه كان هو الآخر ضحية نفس الهجوم الذي أودى بحياة صديقه (هـ. ل)، بتعرضه لجروح خطيرة تشير إليها الشهادة الطبية المرفقة بالملف، مضيفا أيضا أن المنظر المروع الذي شاهد من خلاله سقوط هذا الأخير على الأرض وأحشاؤه ظاهرة للعيان، أصابه بالصدمة والعجز عن فعل أي شيء غير انتظار فرقة الحماية المدنية التي تم الاتصال بها من طرف المتهم الثاني، حتى تحسن التصرف في النقل الصحي للضحية بطريقة سليمة، ظنا منه ان صديقه قد تنقذ حياته.
في المقابل، ركز ممثل الحق العام على خطورة الوقائع، وعلى ما هو مثبت في الملف عن أدلة وقرائن تورط المتهمين في اقتراف ما ينسب إليهم من أفعال، ليلتمس تجنيح سالفي الذكر (د. ع) و(ب. و) ومعاقبتهما بخمس سنوات حبسا نافذ، وتسليط عقوبة الإعدام بالنسبة لباقي المتهمين.

مقالات ذات صلة