الرأي

“شتاء فلسطيني” وسط “الرّبيع العربي”

عبد الرزاق قسوم
  • 1452
  • 5

حدثونا عن الأزمة والفصول العربية، فإنّها تكاد تفقد مدلولها، ومعلولها، وذكرونا بالقضايا المصيرية للإنسان والمجتمع، فإنّها توشِك أن تتلاشى، وتندثر في ذاكرة شعوبنا وأوطاننا.

إنّ كلّ شيء في وطننا العربي، بات يعاني معركة أضداد متعاكسة، ومفاهيم مقلوبة. فالمناخ العربي الذي عُرِفَ باعتدال طقسه، وربيع شمسه، فقد سماؤه الصفاء، وفضاؤه الإخاء، وأديمه النماء. لم نعد في وطننا ننعم بدفء الرّبيع، وثغاء القطيع، بل أصابنا على العكس من ذلك؛ برد الصقيع، واصطكاك أسنان الجميع حتى الصبيِّ والرّضيع.

 

يا لله مما أعاني! ويا لِهولِ ما دهاني!  

فالذي وُصِف “بالرّبيع العربي” في أوطاننا تلبّدت سماؤه، وتقلّبت أجواؤه، فانفرط عقده، وخاب رجاؤه. التفجير هناك، والقتل هنالك، الانقلاب العسكري في بعض أجزائه، والانفلات الأمني في باقي أرجائه، والبراميل الممطرة على شعبه، التي تطير بأشلائه، وتعمل على تشريد أبنائه، فلا الرّبيع ربيعٌ في ربوعنا، ولا الشتاء غيثٌ نافع في أصقاعنا وحقولنا وضلوعنا. فالذي كان يُعرَف بالرّبيع العربي، تحوّل إلى خريف سقطت أوراق أشجاره، وإلى مصيف جفَّت أوكار أطياره، فسكت الهَزار عن التغريد، وحلّ محلّ ذلك نواح الأمِّ وصراخُ الوليد من هول التفجير وشدّةِ التهديد.

كان السُّذجُ الطيّبون منَّا يمنّون أنفسهم ببزوغ شمس الحريّة، وطلوعِ فجر الديمقراطية، وانتهاء عهد الاستبداد والزعامات الفردية، ولكن سوء الإعداد، والاستعداد فَتَك بالعباد والبلاد، فأصابها نوع آخر من الفساد والإفساد، والتيه بعيدًا عن السّداد والرّشاد.

والأنكى من كلّ هذا؛ أنّ المبّشرين بالرّبيع العربي، كانوا يبنون للشعوب جبالاً من الأحلام، والأماني في مقدمتها إعداد العدّة لتمكين القضايا العادِلة من الانتصار، وفي مقدمة هذه القضايا؛ قضية فلسطين، هذا الجُرح النازف في جسمنا العربي. إنّ فلسطين وعاصمتها القدس، قد تدحرجت في اهتمام العقل العربي تحت كثبان النسيان الذي صنعته ويلات ومحن الرّبيع العربي، فلا حديث للإعلام العربي اليوم؛ إلاّ عن مأساة سوريا، باسم الرّبيع العربي المنشود، ولا اهتمام للإنسان العربي إلا ما يحدث في مصر من اعتقالات، ومحاكمات وتفجيرات، واغتيالات باسم نشدان العدل والحريّة، تحت غطاء مكافحة “الجريمة الإرهابية” ومطاردة “الزمرة الإخوانية”.

يحدث كلّ هذا بعد إغلاق معابر غزّة، وتشديد الحصار على شعبها، ليفقد أيّ شعور بالعِزّة.

إنّ الرّبيع العربي في مصر يضاعِف من محنة أخيه الفلسطيني، ويعتبر كلّ من يقدِّم عونًا للشعب المحاصَر خائنًا تجب محاكمته، ومعاقبته. إنّ الحكم في مصر يطلق يد العدّو الصهيوني في القطاع كي يُحكِم قبضته، ويعزز عدّته، ويطيل مدّته.

وبالمقابل تطول فتنة الانقسام، وتشتّد محاصرة مقاومة عزّ الدين القسام، فيخلو الجوّ للصهاينة اللئام. إنّهم يزرعون الأرض بالألغام، ويتفنّنون في بناء المستوطنات من النيل إلى حدود الشام، ولتسقط القدس الأبيّة، ومقدّساتها، ولتُدس معابدها ومعالمها بالجرارات والأقدام!.

هكذا إذن، توشك القضية الفلسطينية وعاصمتها القدس أن تضيع بضعف المقاومين وتواطؤ المستَّبِدِين، وتشاكُس القادةِ المنقسمين. فلم تعد القضية العادلة تجد صداها في قلوب وعقول المواطنين، لأنّ شتاء الرّبيع العربي وخريفه قد لبدّا سماء فلسطين، وجففا أزهار غزّة، والضِّفة وجنين، فساد شعبها البكاء والأنين، فيا ضيعةَ الفلسطينيين.

إنّنا بالرّغم من كلّ هذه الغيوم الملبّدة بسماء وطننا العربي، تحت مسميات مختلفة، لا يزال الأمل يسكننا، ولا يزال الإيمان يملأ قلوبنا، فليس اليأس من طبعنا.

إنّنا نؤمن بأنّ المناخ العربي، مهما أحاطت به الغيوم، سيظّل مناخًا خصيبًا، يُرسِل أشعة شمس دافئة في ربيعه، وينزل غيثًا نافعًا في شتائه، ونسيمًا عليلاً في خريفه.

وما هذه السحب التي تثقل سماء وطننا إلا سحب عابرة، وستطلع شمس الحريّة _جديدا- من منارة قدسنا الشريف، وسيطلع فجر أطفال الحجارة؛ ليزرعوا الرّعب في قلوب الأعداء داخليًا وخارجيًا، وإنّ سنة الله في انتصار الحقّ على الباطل، والعدل على الظلم هي سنة خالدة (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) إنّ دولة الظلم ساعة، وإنّ دولة الحقّ إلى قيام السّاعة.

مقالات ذات صلة