الرأي

شجرة واحدة.. بعشرٍ

أجمل ما قيل عقب كارثة تيبازة، التي حوّلت جنان المنطقة إلى رماد، ما تفضَّل به وزير الفلاحة والتنمية الريفية، السيد ياسين وليد، عندما وعد بأن يعيد الأخضر، إلى مكانه، بغراسة عشر شجرات مكان كل شجرة التهمتها النيران، بفعل فاعل، أو من دون فاعل.

كلام الوزير، الذي يجب أن يطبَّق بداية من شهر الغراسة ربما في الربيع القادم، كان عبارة عن رسائل طالت الجميع، من عشاق الطبيعة والخضرة، الذين بكوا حدّ اليأس، من الكارثة، التي حصلت في شهر لا يعني إطلاقا موسم النيران، حتى يشمِّروا عن أذرعهم لتحدي النار، وإلى الذين يريدون تحويلها إلى رماد، الذين فهموا أن لكل قتيل، أحياء، ولكل شجرة محروقة أشجارا في مكانها وأكثر نضارةً منها، والخير ينتصر دائما، فما بالك أن يكون مرتبطا بالشجرة وجنان الأرض التي هي جزء من جنان الخلد.

في الثلاثين من شهر أكتوبر الماضي، حوّل الجزائريون فكرة عاشق بسيط للشجرة، إلى ثورة خُضرة غرست في يوم واحد قرابة 1.4 مليون شجرة، فما بالك أن تحرق النار إحدى قلاع الخُضرة في الجزائر، أدغال تيبازة الشاهد على تاريخ المنطقة وسحرها الأخّاذ.

لقد كانت مشاهد الحريق موجعة، وإتلاف مئات الهكتارات من أجود غابات الجزائر جارحة، وزلزلة التنوُّع البيئي الذي وهبه الله لغابات تيبازة صادما إلى درجة الارتباك، ولكن كلمات حامل حقيبة الفلاحة أثلجت الصدور، ولن يهنأ بال الناس إلا بمشاهدتهم.. عفوا بمشاركتهم، في الهبّة الشعبية الكبرى المنتظرة، نحو المنطقة المتفحمة ذاتها، لطمأنة حيواناتها ونباتها وطيورها بغراسة مليونية تقول للحارق نحن هنا وللمتألمين نحن هنا.

مؤلم أن تُمتحن البلاد في ثرواتها، فتضيّع في ساعات ما غرسه الأجداد في عقود، ومؤلم ألا يجد الرياضي الذي تنفس من عليل الغابة وساقية الماء التي ملأت الدنيا بخريرها والعصفور الذي تغذى من حشراتها، والحلزون الذي تسلق جذوع أشجارها، تلك الطبيعة التي صنعت حياتهم جميعا، لكن المفرح أن تعلم، أن الذي غرس بالأمس، هو الآن أكثر استعدادا لتعويض الواحدة بعشر.. وقد قيل دائما إن التحدي وحده من يغلب الألم.

خلال حملة غرس مليون شجرة، ردّد العديد من المواطنين: “هم غرسوا ونحن استفدنا وحان الوقت لنغرس لمن يأتي بعدنا” وكرَّروا جملة “الصدقة الجارية”، التي تبقى تثمر وتظلّل وترسل الأكسيجين للكائنات الحية جميعا.

وحتى وإن كان وزير الفلاحة ياسين وليد، قد قالها انفعالا، وردّ فعل بعد أن فاض صدره تذمرا من منظر الأشجار المحروقة، فأطلقها مثل السيف الذي لا يعود إلى غمده: “عشر شجرات مقابل كل شجرة محروقة”، فإن رسول البشرية، رسول البيئة وفعل الخير- صلى الله عليه وسلم- قالها منذ أربعة عشر قرنا: “كلّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعفُ، الحسنةُ بعشرِ أمثالِها، إلى سَبْعِمائةِ ضِعفٍ”.

وخضراء بإذن الله.

مقالات ذات صلة