شرفات غوفي تخطف قلوب زوارها ومطالب بترقيتها سياحيا
خطفت شرفات غوفي السياحية بولاية باتنة، الأضواء خلال الأيام الأخيرة، وذلك تزامنا مع توافد أعداد كبيرة من الزوار والسياح للوقوف على جمال المنطقة وكنوزها الطبيعية التي تجعلها مؤهلة لأن تكون قطبا سياحيا يصنع التميز، خاصة في ظل تواجدها في موقع إستراتيجي بين عاصمة الأوراس باتنة وعاصمة الزيبان بسكرة، ما جعل السلطات المحلية تختارها لاحتضان الاحتفالات الرسمية التي أقيمت مؤخرا بمناسبة إحياء رأس السنة الأمازيغية.
كشفت منطقة غوفي عن جمالها الطبيعي وكنوزها السياحية التي جعلتها محل استقطاب وإعجاب عدد كبير من الوافدين الذين قصدوها مؤخرا بأعداد تبدو قياسية، خاصة خلال تظاهرة إحياء رأس السنة الأمازيغية (ينار)، وذلك تزامنا مع اختيارها لاحتضان الاحتفالات الرسمية، حيث تم ذلك بالشراكة بين عدة هيئات وجمعيات ناشطة، وفي مقدمة ذلك مديرية الثقافة بالتنسيق مع غرفة الصناعة التقليدية والحرف لولاية باتنة وعديد الجمعيات الناشطة في هذا الجانب، حيث عرفت أنشطة متنوعة على مستوى شرفات غوفي لمدة 3 أيام تخللتها عروض لفرق فلكلورية مختلفة ومتنوعة. حدث ذلك وسط توافد أعداد كبيرة من الزوار في سابقة في تاريخ المنطقة، وهو الأمر الذي أشاد به الكثير من المنظمين والمتابعين، على غرار الأستاذ يعقوب بزالة الذي أكد على ضرورة الاستثمار في مثل هذه المعطيات لمواصلة ترقية منطقة غوفي سياحيا، خاصة في ظل المؤهلات الكثيرة التي تتوفر عليها طبيعيا وجماليا، وكذلك من ناحية الموروث التاريخي والثقافي الذي تتصف به على مر السنين.
قلاع التحفة في حاجة إلى ترميم وتهيئة
ومن الجوانب المهمة التي عرفتها طبعة “ينار” الأخيرة هو الوقوف على الكنوز الكثيرة التي تتوفر عليها منطقة غوفي السياحية، ما جعلها محل استقطاب واسع من طرف الزوار والمهتمين من مختلف المناطق والولايات المجاورة (باتنة وخنشلة وبسكرة وأم البواقي وتبسة والمسيلة وغيرها) الذين قصدوا المكان لتغيير الأجواء والاستمتاع بجمال المناظر الطبيعية للمنطقة والموروث الضارب في التاريخ، ناهيك عن تنوع قلاعها المقابلة لشرفات غوفي التي انبهر بها مختلف الزوار الذين قصدوا المنطقة لأول مرة، في الوقت الذي وعد والي ولاية باتنة بمراعاة حاجيات المنطقة بالشكل الذي يسهم في مواصلة ترقيتها سياحيا.
وفي هذا الجانب، أكد رئيس غرفة الصناعة التقليدية والحرف الأستاذ يعقوب بزالة بأن منطقة غوفي قد حظيت خلال احتفالية “ينار” بلفتة من طرف والي باتنة الذي منح مبلغا مهما من أجل ترميم قلاع المخازن لـ”آه ميمون”، وكذلك التهيئة الحضرية للشرفات المطلة على قلعة “هاوريرث”، كما استفادت بلدية غسيرة من خزان مائي لتوفير المياه الصالحة للشرب لمختلف المحلات المنتشرة على شرفات غوفي، مضيفا أنه يرى بأن هذه المشاريع التنموية حركية إيجابية للمنطقة، وستكون بداية لتنظيم أنشطة ثقافية وسياحية كبيرة في المستقبل القريب.
أما بالنسبة للقلاع وسبل ترقيتها، فأكد محدثنا بأن هناك مشروع الحظيرة الثقافية الذي أتمت وزارة الثقافة الدراسة الخاصة به. وتضم هذه الحظيرة 14 بلدية من الجهة الجنوبية لولاية باتنة والجهة الشمالية لولاية بسكرة، حيث سيكون مقرها بمنطقة غوفي، مشيرا أنه بعد المصادقة على مشروعها النهائي الموجود حاليا على مستوى الوزارة الأولى، من شأنه أن يضمن ترميم جميع القلاع وتطويرها والمحافظة عليها من الاندثار والزوال.
وهو الكلام الذي ينطبق حسب البعض على الفندق الذي يعود إلى بدايات القرن الماضي، في منطقة مرتفعة، ويتم الوصول إليه عبر مسالك جبلية وعرة، ناهيك عن ضرورة الاهتمام بالقلاع والشرفات من خلال إعادة الترميم، موازاة مع ضرورة تفعيل الأنشطة السياحية والاستثمارية، بدليل جهود البعض في ضمان عدة خدمات في محلاّت لبيع الأواني الفخارية والزرابي والتحف التقليدية، إضافة إلى مطاعم تسهر على خدمات الزوار والسياح، وكذلك تواجد بيت الشباب في إطار تفعيل مجال الفندقة والإيواء والإطعام.
عروس السياحة الأوراسية تبحث عن من ينقذها ويحميها
وبعيدا عن هذه الوعود والمشاريع التي يترقبها الكثير حتى تدخل حيز التجسيد، فإن الكثير يجمع بأن شرفات غوفي التابعة لبلدية غسيرة بباتنة، تعد من المواقع السياحية الخلابة التي تعرفها منطقة الأوراس، بدليل أنها تخطف الأضواء وتثير فضول ودهشة السياح الوافدين إليها من مختلف ربوع الوطن، ما جعلها قطبا سياحيا طبيعيا هاما في الجهة المطلة على عاصمة الزيبان، خاصة وأن منطقة غوفي تجمع بين الطابع الجبلي وخصوصيات المناخ شبه الصحراوي، فهي من جهة تبعد عن عاصمة الأوراس بحوالي 100 كلم فقط، ومن جهة أخرى لا يفصلها عن صحراء بسكرة سوى جبل ”أحمر خدو” الشهير إبان ثورة التحرير.
ويجمع أغلب الزائرين لغوفي على الطابع الأثري والسياحي والتاريخي الهام الذي تعرفه المنطقة، خاصة في ظل المناظر الخلابة التي تتميز بها البساتين المحاذية للوادي الأبيض الذي ينطلق من سفوح جبال شيليا وصولا إلى بسكرة، وكذلك الشرفات والقلاع التي تزيد منطقة غوفي بهاء، إلا أن الإشكال الحاصل حسب سكان المنطقة وكذا القادمين إليها من مختلف ربوع الوطن، هو افتقاد غوفي إلى الآليات اللازمة للاستثمار في المجال السياحي، وذلك من خلال توفير المرافق التي تضمن راحة الزوار والسياح، حيث وباستثناء الجهود التي يبذلها بعض الخواص والجمعيات التي تعنى بالتراث، فإن غوفي في حاجة إلى جهود ودعم، وهذا قياسا بالطابع السياحي والتاريخي والأثري الذي تتمتع به، ما جعل الكثير يتأسف على حال غوفي وهي التي تعد بمثابة عروس السياحة في موقع يتوسط عاصمة الأوراس وعاصمة الزيبان..
بكاء الشيخ محمد الغزالي
ويؤكد بعض سكان المنطقة للشروق، بأن الزائرين إلى غوفي في ازدياد على مدار العام، خاصة وأن المنطقة تقع في الطريق الوطني الرابط بين بسكرة وآريس، وهو الأمر الذي يسهل مهمة تحويل الوجهة للاستمتاع بمناظر غوفي الفلاحية والسياحية والجبلية. ورغم أنها لم تأخذ حقها اللازم في التهيئة والتعريف، إلا أن غوفي أبهرت كل من زارها من السياح البسطاء أو من ذوي المقام العالي، حيث يشير الأستاذ مصطفى عاشوري بأنه على هامش أحد ملتقيات الفكر الإسلامي التي كانت تنظمها وزارة الشؤون الدينية في الثمانينيات من القرن الماضي، قام المشرفون عليه بتنظيم زيارة سياحية إلى منطقة “غوفي” لفائدة مجموعة من العلماء، وكان من بينهم الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله.
وعندما وطئت قدما الشيخ المكان شبهه ببعض المناطق شبه الصحراوية في مصر وبعض بلدان المشرق العربي، إلا أنه عندما رأى وتأمل الوادي وما يحتويه من جنان أجهش بالبكاء، فقالوا له: “ما يبكيك يا شيخنا؟”، حينها أجابهم قائلا: “إني طفت العالم كله ولم أجد مكانا كهذا، بحيث ينظر فيه إلى النخلة وهي من أطول الأشجار من عل، والله سبحانه وتعالى يقول في محكم تنزيله: “والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد”، والنخل حسب الأستاذ مصطفى عاشوري ينظر إليه دائما من الأسفل إلى الأعلى.
من جانب آخر يؤكد الأستاذ علي بن بلقاسم بأن المفكر الجزائري عمر أركون كان من المشاركين في رحلة غوفي رفقة أسماء أكاديمية أخرى مثل المؤرخ موسى لقبال الذي قاد الوفد أيضا إلى آثار طبنة ببريكة، ما يعكس القيمة التاريخية والسياحية للمنطقة لدى العلماء وكذا عامة الناس، في الوقت الذي يتأسف ابن المنطقة سعيد زروال على الضرر الذي لحق بمنطقة غوفي بسبب الجفاف والحرائق التي كان لها تأثيرها السلبي على بساتينها بالخصوص، حيث يقول في هذا الجانب: “للأسف غوفي الذي كان لم يعد كما كان، لم يبق منه إلا اسمه… فنخيله الباسق أصبحت عبارة عن جذوع خاوية، ووديانه أصبحت مياهه ملوثة، وقلاعه أصبحت عبارة عن أطلال تستغيث ولا من مغيث”.
مطالب بحماية الموقع والكشف عن جمالياته
من جانب آخر، لم تتوان عديد الجمعيات الثقافية والسياحية الناشطة في بلدية غسيرة بباتنة في دعوة مختلف الجهات المعنية إلى التحرك لحماية مكاسب وتراث منطقة وشرفات غوفي السياحية من الاندثار، حيث اشتكت من نقص الدعم وعدم تشجيع الاستثمار المحلي، داعين إلى توفير الإمكانات والجو الملائم، وتوظيف الجهود المتاحة بما يعود بالفائدة على السياحة بالمنطقة، حتى يتم الوقوف إلى جانب بعض المستثمرين والخواص الذين يسعون إلى جعل المنطقة قطبا سياحيا بامتياز، خاصة في ظل الإقبال الكبير للسياح والزوار في أغلب أشهر السنة، فضلا عن ضرورة التكفل بحماية التراث والتكفل به، مع إعادة ترميم وتوفير الطرق التي تؤدّي إلى الأماكن الأثرية، وتكوين مرشدين سياحيين، وحرّاس داخل البلدة الأثرية حتى يتماشى مع خصوصيات والمزايا السياحية للمنطقة.
يحدث هذا في الوقت الذي أكدت جهات من مديرية السياحة بباتنة رصد غلاف مالي هام لتجسيد دراسة تصب في خانة إعادة التهيئة على مستوى المنطقة، والحرص على توزيع المرافق الضرورية، من ذلك أماكن الراحة وكذا تشييد فنادق ومطاعم تكون في مستوى السياح والزوار، وهي وعود يراهن سكان المنطقة على تجسيدها أملا في إعادة البريق لغوفي ومرافقها السياحية.
فيما يؤكد الأستاذ عبد الكريم رحماني لـ”الشروق”، بأن منطقة غوفي تشكل قطبا ثقافيا وسياحيا بامتياز نظرا لما يضمه من لوحات طبيعية نادرة، مضيفا أن تحسين وضعها يتطلب تحقيق الكثير من المبادرات أهمها خلق مشاريع سياحية وثقافية خاصة ما تعلق بالصناعات التقليدية مثل النسيج والحلي. والحرص على ربط الأجزاء السياحية الثلاثة بـ”التليفيريك” لتسهيل حركة السياح وزيادة إمكانية استكشاف المنطقة، مع توسيع الطرقات وتوفير أماكن الراحة، ودعم الجمعيات المحلية التي تنشط بفكرة المشروع، والإشهار الواسع لسياحة المنطقة إعلاميا وعبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك تشجيع الاستثمار السياحي المحلي والوطني والدولي في المنطقة، والعمل على إنجاز آبار ارتوازية لتوفير المياه لإعادة الحياة لبساتينها المتضررة من الجفاف والحرائق.
هكذا يمكن تطوير المنطقة
ويذهب الكثير من العارفين والمهتمين إلى القول بأن منطقة غوفي في حاجة إلى تكاتف الجهود بغية الإسهام في ترقيتها سياحيا. وفي هذا الجانب، حرص الكاتب والمهندس المعماري الأخضر رحموني في حديثه مع “الشروق” على تقديم عدة مقترحات يرى بأن تجسيدها سيعطي دفعا مهما للسياحة في المنطقة، ما يتطلب حسب قوله الاهتمام بمختلف الأماكن السياحية بغوفي، وبالتحديد شرفات أولاد ميمون، والقطب السياحي والثقافي الأساسي في المنطقة وفقًا لمخطط الشيوخ لدوار غسيرة، بحكم أن المنطقة تتميّز، حسب محدثنا، بوجود الزاوية الشهيرة للشيخ أحمد بن الصادق في الدشرة على ضفاف الوادي، إضافة إلى ثلاثة مساجد موزعة على ضفتي الوادي بجانب المساكن.
ولتحقيق التنمية المستدامة وجعل غوفي وجهة سياحية بارزة، يدعو المهندس والكاتب الأخضر رحموني إلى ترتيب الاقتراحات حسب الأولوية، من خلال تطوير البنية التحتية الأساسية التي تفرض تهيئة الطرق والمسالك، وذلك بتعبيد الطرق المؤدية إلى شرفات غوفي ومختلف القلاع والمواقع التاريخية. وتحسين الطرق الداخلية بقرية غوفي وربطها بمسارات شرفات أولاد ميمون. إضافة إلى إنشاء مواقف سيارات في مواقع مناسبة لتجنّب الازدحام وتسهيل حركة الزوار. أما فيما يخص تهيئة الفضاءات العامة فيرى الأستاذ الأخضر رحموني ضرورة إعادة تأهيل السلالم لتسهيل النزول إلى الوادي، خاصة لكبار السن والتلاميذ. وتوفير مرافق الراحة مثل دور الإقامة والفندقة بمحلات خدماتية للإطعام التقليدي.
أما فيما يخص الحفاظ على البيئة والمعالم الأثرية، فلخصها محدثنا في ضرورة تنظيف الوادي وحمايته، وذلك بتطهير الوادي الأبيض من المياه المستعملة والقذرة للحفاظ على البيئة والمحيط. مع إطلاق حملات تنظيف دورية بمشاركة المجتمع المدني. وهذا بالموازاة مع حماية المعالم السياحية والأثرية من خلال إعداد ملف تقني لتصنيف شرفات أولاد ميمون والقلاع ضمن التراث العالمي بالتعاون مع وزارة الثقافة وهيئة اليونسكو. والحرص على توفير مناصب عمل للحراسة من أبناء المنطقة لحماية المواقع وتنظيفها.
كما أكد الأستاذ الأخضر رحموني، على أهمية الترويج السياحي والثقافي، وذلك بإشراك وسائل الإعلام، وإنتاج برامج وثائقية عن تاريخ غوفي وتضاريسها الفريدة. وكتابة مقالات وتحقيقات صحفية للتعريف بالموقع. كما دعا محدثنا إلى إقامة جداريات توضح تاريخ وثقافة المنطقة بمختلف اللغات (العربية، الأمازيغية، الإنجليزية، والفرنسية). وتنظيم فعاليات ثقافية وعلمية يشارك فيها أساتذة مختصون لتعزيز المعرفة بتاريخ وآثار المنطقة. وتنظيم معارض تُبرز الأدوات التقليدية، مخلفات الثورة، والصور التاريخية. والعمل في الوقت نفسه على تعزيز التنمية المحلية، وذلك لتشجيع الفلاحة السياحية عبر عدة آليات تصب في خانة دعم الفلاحين لتطوير نشاطاتهم الزراعية وربطها بالسياحة. وإنشاء أسواق محلية لتسويق المنتجات الفلاحية التقليدية. وإطلاق حملات لإعادة غرس النخيل وزراعة أشجار الزيتون. وكذلك إشراك السكان المحليين في إطار تسجيل برامج للسكن الريفي وترميم المساكن التقليدية في شرفات أولاد ميمون والدشرة. وتشجيع السكان على الاستقرار وتعزيز دورهم في تنمية المنطقة. وذلك دون إغفال تأهيل الكفاءات المحلية لتعيين دليل سياحي من ذوي الكفاءة لتعريف الزوار بالمواقع التاريخية والثقافية. وتشجيع طلبة الجامعات لإعداد بحوثهم حول تاريخ وآثار منطقة غوفي. وكذلك تفعيل السياحة المدرسية، من خلال تنظيم رحلات للتلاميذ وطلاب الجامعات والكشافة لزيارة شرفات غوفي والتعرف على تاريخها.
كما أكد الأستاذ الأخضر رحموني على أهمية تشييد متحف محلي يضم مقتنيات تاريخية وأدوات تقليدية وصور تبرز ثقافة المنطق، فضلا عن أهمية توفير وسائل نقل صغيرة (مثل الحافلات) لربط شرفات غوفي بالمناطق المجاورة. وفرض رسوم رمزية على السياحة، بتخصيص مبلغ رمزي لدخول المواقع السياحية لدعم أعمال الصيانة والتطوير. وهي مقترحات يرى الأستاذ الأخضر رحموني، أنها من شأنها أن تسمح بتطوير آليات السياحة في منطقة غوفي في مختلف شرفاتها وقلاعها والمرافق العديدة التي تتوفر عليها.