-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
شعبان في رمضان

شعبان المقرئ

عمار يزلي
  • 1631
  • 0
شعبان المقرئ

السنوات الثلاثة الأخيرة، أصبت فيها بنزلة برد جعلت مني بعد طول علاج صاحب صوت خشن، أقرب ما يكون لصوت الجحش الذي بدأ يتعلم على التو النهيق! صوت مجفل بعض الشيء.. إن لم أقل.. كله، هذا ما زاد في الطين بلة مع النسيان، تصوروا صوتا خشنا ونسيانا ممتازا، ماذا ستعطي هذه المعادلة ذات المجهولين؟

كنت قد بدأت خلال العشر الأواخر في قراءة القرآن بصوت مرتفع، بعدما أغلق الأبواب حتى لا يسمعني أحد، مع ذلك يسمعونني كلهم، توقفت عن القراءة ليومين، بعدما سمعت من كانوا خارج البيت المغلق يقهقهون، فعلمت أنهم يضحكون من صوتي، وأنا أقلد عبد الباسط!  ثم عدت، بعدما توصلت إلى حيلة: أسمع لكاسيت المنشاوي.. ثم أرافقه.. أقرأ معه دون رفع الصوت.. فقط بتحريك الشفتين..”بلاي ـ باك” يعني!..

زوجتي، حين دخلت.. وكنت قد أخفيت قارئ الآيفون في حجري تحت المصحف.. ورأتني أقرأ “بصوت عال” وقد تغير صوتي.. فتحت فمها وبقيت مشدوهة لمدة طويلة.. لا تصدق أن زوجها صار صوته بهذه الجهورية وبهذا الجمال!.. لم تصدق.. ولم تسأل.. ولم أجبها طبعا..!

استمرت هي في عملها بصمت، محاولة ألا تحدث أي صوت جانبي يشغلني أو بالأحرى يشغلها عن سماع القرآن الكريم بصوت “شيخ المقرئين..السي شعبان”!.. هكذا كانت تتصور.. في الوقت نفسه، كانت بالتأكيد تتساءل: من أين له بهذا الصوت؟.. وكيف تغير صوته.. وبسرعة؟.. روت لي ذلك فيما بعد.. كانت تقول: الله قادر على أن يغير أصوات الناس بأصوات ملهمة، فالذي غيّره من أمس إلى اليوم من الرقص والغناء إلى القرآن قادر أن يغيّر صوته من صوت حمار إلى صوت بلبل!..

كانت تقص القصبر والثوم.. فيما كان صوت المنشاوي يجلجل في أرجاء البيت، في هذا الوقت.. دخل أحد أبنائها.. فسمعتها تنهره بصوت خافت: أخرج.. أخرج.. بوك راه يقرا… أخرج.. عندها عرفت أنها في المطبخ تستمع وتستمتع.. لكني بصراحة لم أكن أعرف ولم أكن قد فكرت أنها اعتقدت أني أنا هو من يقرأ وليس المقرئ.. فهذا الاحتمال غير وارد في مخيلتي على الإطلاق، كيف يتحول الصهيل إلى زقزقة عصافير؟..مستحيل!. أما هي فقد كانت منبهرة إلى درجة طرد ابنها المدلل من المطبخ حتى لا يفسد عليها السمع، وحتى لا أنقطع عن القراءة.. (هكذا المسكينة كانت ترى وأنا لا أعرف!).. الولد فيما يبدو.. لم يفهم لماذا تطرده أمه فصارت تقول له: اسمع.. أخرج خير لك.. بوك راه يقرا القرأن.. ما راكش تسمع صوته؟ فيردّ عليها: هذا مش بويا! فتقول له: الله يذلّك يا ولد الحرام.. هكذا تنكر بوك؟.. شكون هو هذا أمالة؟.. جارنا راه يقرأ عندنا القرآن؟.. راه يرقي فيّ من الجنون نتاوعك؟ عفط برة.. هيا أخرج راني نقول لك..! وهو يرد عليها.. هذا مشي بويا راني نقول لك:.. وإذا أنا.. أو بالأحرى الشيخ المنشاوي يقرأ “ولا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما..” (الآية).. فتقول له أمه: أسمع يا بن الكلب.. أسمع.. أسمع واش راه يقول ربي! فيرد عليها: أوياااا؟؟ راها تكفر!. فترد عليه: هيا برة.. أخرج يا عاصي الوالدين! هئ! قالك مش بويا؟..غدوة يقولي أنا مش أمه.. هذا مش بوه.. غير جار.. وأنا غير قرصونة في هذا الدار! (كنت أنا في هذه الحالة أرفع من صوت الكاسيت وأرفع معها صوتي ولكن ليس إلى درجة تجاوز صوت المقرئ)..

وفجأة.. ينقطع التيار الكهربائي.. ويسكت المنشاوي.. ويرتفع صوت “شعباااااان”…! آآآييييييمااااا!… 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!