الجزائر
صور تنبض بالحياة وفيديوهات تسترجع الأحداث  

شهداء الثورة يعودون عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي

مريم زكري
  • 2509
  • 0

يمثل استخدام التكنولوجيا لحماية الأرشيف الوطني خطوة كبيرة في الحفاظ على الذاكرة الجماعية للجزائر، لتبقى رموز الثورة وأرشيفاتها حية في قلوب الجزائريين، ويأتي ذلك من خلال تجنيد التقنيات الحديثة والمتطورة والابتكارات الشبابية، لحماية صور الشخصيات الثورية والأرشيفات القديمة، من التلف بفعل عوامل الزمن، فبين ترميم الصور وتحريكها، أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي، اليوم تلعب دورها في إعادة إحياء هذا النوع من التراث وإيصاله للأجيال القادمة بشكل يليق بذاكرة الشهداء وبطولاتهم.

التقنيات الحديثة تحيي الأرشيف بالألوان والدقة

وفي ظل التطور التكنولوجي المتسارع، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا، بعض الأعمال والمبادرات الشبابية، تتعلق بصور رموز الثورة الجزائرية، وشهدائها، حيث تداول رواد مواقع الفضاء الأزرق العديد من المحاولات الناجحة لتحريك صور شخصيات رمزية كالأمير عبد القادر، مصطفى بن بولعيد، زيغود يوسف وغيرهم، من خلال إعادة ترميم وتحريك صورهم القديمة الموجودة بالأرشيف وتلوينها، إذ تتم العملية عبر عدة تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والشبكات العصبونية المستخدمة في ترميم الصور القديمة، التي تعاني من تلف أو تشويه جراء الزمن.

ومن خلال التقنيات والتطبيقات الخاصة بترميم الصور، تمكن هؤلاء المبادرون من إزالة الشوائب وإبراز التفاصيل الدقيقة بها، وهو ما يمنح الصور حياة جديدة من دون المساس بأصالتها التاريخية، وتبدو كأنها التقطت قبل لحظات قليلة من ذلك، كما أن هذه التقنيات أتاحت إمكانية تحريك الصور، وهو إنجاز مذهل يتيح للمتلقي أن يعيش لحظات من الماضي وكأنها أمامه.

ويرى مختصون أن هذه الوسائل الحديثة، يمكن لها أن تلعب دورا مهما في جذب انتباه الشباب والأجيال الحالية وتعريفهم بأهمية الرموز التاريخية، عبر مشاهد تهدف إلى توصيل قصصهم بطريقة جديدة.

وفي السياق، أكد الدكتور والخبير في الرقمنة، علي كحلان، في حديثه لـ”الشروق”، أن الاستعانة بالتكنولوجيا ليس فقط لتخليد الماضي، بل لإيصاله بأحدث الوسائل الممكنة، وهذا ما يجعل من الأرشيف وسيلة حية وملهمة، موضحا أن الذكاء الاصطناعي قد أحدث ثورة في ترميم الأرشيفات الفوتوغرافية، حيث تتيح تقنيات التعلم الآلي، لاسيما الشبكات التوليدية التنافسية، إمكانية إعادة بناء الصور المتضررة بدقة مذهلة.

وقال إن الذكاء الاصطناعي يعتمد في ذلك على تحليل ملايين الصور المشابهة للتنبؤ بشكل الأجزاء المفقودة من الصورة، مما يسمح بإعادة تفاصيل تاريخية مثل جزء من زي عسكري أو ملامح مقاتل طمست ملامحه بمرور الزمن، مستعينا ببيانات بصرية دقيقة تعود إلى نفس الحقبة.

التقنيات الحديثة لخلق جسر بين الأجيال

وأشار، كحلان إلى أن دور الذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند الترميم، بل يشمل كذلك تلوين الصور التاريخية بدقة عالية، حيث يمكن تحديد تفاصيل العناصر في الصور وإعادة إحيائها بألوان تنسجم مع الحقبة الزمنية التي تعود إليها، مؤكدا أن هذه التقنيات لا تقتصر على الحفاظ على الذاكرة الجماعية، بل تساهم في تقديمها بشكل أكثر تفاعلاً، حيث تنتشر الفيديوهات والصور المرممة والمطعمة بألوان حية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يعزز انتشارها بين جيل الشباب ويجعلها أكثر تفاعلا معهم.

وأوضح كحلان، أن هذه المقاربات الحديثة تجعل من التاريخ تجربة بصرية ملموسة، حيث يستطيع الناس “رؤية” الأحداث التاريخية كما لو كانوا يعيشونها، مما يمنحهم فرصة أعمق لفهم أجواء المعارك والتضحيات التي قدمت خلال فترات حاسمة مثل الثورة، وبهذا الأسلوب، لا تقتصر مهمة الذكاء الاصطناعي على الحفاظ على الماضي – يضيف كحلان – بل تتجاوزه لإعادة احيائه، ليصبح جسرا يربط بين أجيال الأمس وأجيال اليوم، ما يتيح للجيل الجديد فرصة فريدة للتعرف على ماضيهم بطريقة جديدة ومؤثرة.

ويضيف المتحدث  مؤكدا، أن بعض الشباب الشغوفين بتاريخ الجزائر اليوم، يستخدمون قدرات التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي لإعادة تصوير مشاهد من معارك الثورة في شكل فيديوهات، وذلك بالاعتماد على الأوصاف التاريخية والصور المتاحة، وتدمج هذه التقنيات بعد ذلك في مقاطع فيديو تضفي حياة جديدة على المعارك، بتفاصيل دقيقة تشمل الدخان، حركة المقاتلين، المناظر الجبلية المميزة لمناطق المقاومة الجزائرية، على حد قول المتحدث.

ضرورة الاستثمار في التكنولوجيا للحفاظ على الذاكرة الجماعية 

من جهته، يرى البروفيسور بوحنية قوي، أستاذ بجامعة الجزائر، أن الجيل الحالي أمام تحدي ومعركة حقيقية لإظهار عظمة هذه الثورة  من خلال توثيق كل ما له علاقة بشهادات حية، وأحداث واقعية تخص جرائم ارتكبها المستعمر الفرنسي ضد الجزائريين، مضيفا أن هذه الجرائم يمكن توثيقها عبر توظيف تكنولوجيا الإعلام والاتصال، حتى تصل الرسالة للعالم أجمع، “ثورة نوفمبر” أعظم ثورة في القرن العشرين، والتي مارس فيها المستعمر أبشع وأقسى أنواع التقتيل والتعذيب والإبادة والتهجير القسري.

وأشار بوحنية، إلى أن جرائم الاستعمار الفرنسي بلغت وحشيتها قتل وإبادة 45 ألف شخص خلال يوم واحد فقط، وهي المجازر التي تستدعي التوثيق – حسب المتحدث –  بالصوت والصورة والتقنيات الذكية.

وفي المقابل، تطرق البروفيسور بوحنية، إلى تاريخ الثورات الشعبية، قائلا إنها اليوم بحاجة إلى توثيق، كما أثنى في سياق حديثه على جهود الدولة الجزائرية المعاصرة، في استرجاع جماجم الشهداء، مع ضرورة استغلال الطاقات الشبانية الحالية في الحفاظ على الذاكرة الجماعية، من خلال الاستثمار في التطور التكنولوجي  بالصوت والصورة ونقله للأجيال المقبلة، من أجل استمرارا رسالة الشهداء الخالدة.

مقالات ذات صلة