شهيدُ الشهداء
عندما نجحت غزوة “طوفان الأقصى” في طعن أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، والموساد الذي يعرف ما ظهر من الأشياء وما بطن، وبدأ العدوان الحاقد على كل ما هو فلسطيني. كان الجالسون في مكاتبهم ومنتجعاتهم الدافئة، من عجم وعرب، يشيرون بأصابعهم إلى فتى المقاومة إسماعيل هنية، وينعتونه بالرجل الذي ألقى بشعبه هنا في غزة إلى التهلكة، وهو هناك يتابع من فنادق الدوحة الفاخرة وقصورها وما بين خطوطها الجوية الراقية أمورا أخرى، لا علاقة لها بما يجري في غزة.
بل إنَّ كاتبا عربيا راح يفرّق أبناء إسماعيل جغرافيا وسياحيا بين بلد آخر، ويملأ حساباتهم البنكية -وهما وخيالا- بملايين الدولارات، وتجرأ آخرون من بلاد العُرب، وقالوا إن إسماعيل، إنما يقود سرّيا حرب إبادة شعبه عن آخره، مقابل أن يعيش هو وعائلته رغد الحياة.
وبدأت أيام الحرب تمضي بسوادها، نحو كشف حقيقة الصهاينة والأمريكان والعرب المتصهينين، فمرّت أيام منها، فنُسف المسكن العائلي لإسماعيل هنية في غزة، وقتل جمع من رفاقه وأقاربه، وكان شياطين التنظير المأجورون، يُخرجون الأسطوانة ذاتها، للحديث عن قصوره في الدوحة وطهران، وحتى فنزويلا والجزائر، وعن قطيعته مع عشيرته ورفاق طفولته.
هؤلاء الذين اتخذوا هذا القرآن مهجورا، راحوا يستخرجون آية: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”، ويفسِّرونها بحسب ما ورد لدى “علماء” البلاط، الذين أسقطوا فريضة الجهاد، حتى في حالة ظلم التقتيل والتجويع والإبادة الشاملة، لشعب ما تورّط أبناؤه يوما في قطرة دم أو دمعة.
ليس من السهل أن نعدّ من شهداء عائلة إسماعيل هنية مئة وستين مرتق، من بينهم ثلاثون فردا من عائلته الصغيرة، من بينهم ثلاثة من أبنائه، محمد وأمير وحازم، وخمسة من أحفاده، وألحق الصهاينة في إبادتهم لعائلة هنية حفيدا سادسا من ابنته، وتواصلت الجرائم بقتل شقيقته الكبرى وتسعة من أبنائها وأحفادها، واثنين من أبناء شقيقه خالد وثلاثة من أحفاده، وانتقل الصهاينة لتصفية عائلة زوجته، وما تركوا منها فردا، وبقيت أسطوانة ظلم ذوي القربى والجِلدة من دون تغيير: “دم هؤلاء في رقبة إسماعيل، المتنعِّم في قصور الدوحة”.
لم يترجّل إسماعيل هنية ولم يتفرَّس، وإنما ارتقى مع المرتقين من أهله، وترك عالكي الأحقاد والعقد والخذلان، يقدِّمون أنفسهم للناس كما ارتضوا أن يكونوا.
سيتعب المُبحر في التاريخ أن يجد عائلة من بني الإنسان منذ خلق الأرض، ضحّت من أجل قضيتها، كما فعل شهيد الشهداء إسماعيل هنية.
وحده آمن بقضية القدس وعصف لأجلها طوفانا، وأمة القدس هاهنا “قاعدون”، وحده تشبَّث بالأمل، وبصبر فاق صبر الأنبياء، وأمة القدس تتشفى في فقدان عائلته. وحده ارتضى بعد النصر، شهادة، فنالها، وأمة القدس تعمه في غيّها.
في معارك وغزوات الجهاد، لا يوجد أبدا قتلى، فلا أحمد ياسين قتل ولا عبد العزيز الرنتيسي قتل، أبدا، ولم يُقتل إسماعيل هنية ولكنهم عند ربهم يُرزقون. ولولا استشهاد حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وشماس بن عثمان والحارث بن عقبة في غزوة أحُد، ما فتح المسلمون مكة.