شهيد “حي” يزور الشروق وبحوزته وثيقة استشهاده
بخطوات مثقلة وابتسامة تفاؤل تشع من عينيه الحادتين، دخل الشهيد مسعود نملة مقر الشروق!!.. لا تستغربوا.. شهيد عاد سنة 2015 ليحتج عن وجوده في الحياة أمام الإدارة الرقمية الجزائرية، بعد أن اغتالته فرنسا سنة 1956 في منطقة البابور بسطيف!.
ألا يقال إن الثقة في الوثيقة؟.. إن نسخة صادرة من سجلات بلدية سرج الغول خلال هذه السنة تؤكد وفاته، سلمها لنا وهو يهز رأسه بوجه بشوش، وقال “شيء غريب .. هل أنا مجاهد أم شهيد؟!”.
ثم واصل ضاحكا “مر علينا الكثير، وأعتقد أن حبي للجزائر يجعلني أتحمل كل ما يقع على ترابها“.
لقد بلغ اليوم الـ78سنة، استطاع في ريعان شبابه أن يزرع وينزع الألغام .. أن يقطع الأسلاك المكهربة لخطي شارل وموريس.. لكن مشكلته مع شهادة وفاته لم تحل حتى بعد رقمنة وثائق الحالة المدنية في الجزائر!!.
بدأت حكاية عمي مسعود المجاهد البطل عندما اكتشف سنة 1967، أنه مسجل على أنه شهيد اغتيل في هجوم بالمدافع من طرف العساكر الفرنسية، في حوش بدوار “مشتة نمالة” بجبل سرج الغول بسطيف، وذلك يوم 10 أكتوبر 1956.
قال إنه تمكن بأعجوبة من الفرار والتسلل لمناطق مجاورة، ويضيف: “في هذا الهجوم استشهد الكثير من أفراد جيش التحرير الذين كانوا معنا في الجبال، بعد أن تسربت معلومات للاستعمار باجتماع في منزل للتخطيط لعمليات فدائية“.
اعتقد الاستعمار الفرنسي وقتها، أن أحد المغتالين في الهجوم هو مسعود نملة، فسجل في دفتر الحالة المدنية بالبابور ولاية سطيف على أنه ميت، في الوقت الذي تواصلت تضحيات وبطولات عمي مسعود، حيث تلقى تدريبا عسكريا في صفوف جيش جبهة التحرير الوطني بالمنطقة الأولى بالولاية الثانية.
قام حينها بعدة عمليات فدائية، وساهم في نقل الأسلحة من الحدود التونسية لولاية سطيف، حيث أكد أنها أسلحة ألمانية وإيطالية، كان مصدر تمويلها مجهولا لديهم.

كان نملة مسعود يعتبر شهيدا في اعتقاد أهله بسطيف في الوقت الذي كان يسجل بصماته التاريخية في مسيرة ثورة التحرير الوطني، ولغاية تخرجه من الفيلق 24، بعد أن بقي لمدة 3 سنوات يتدرب تحت قيادة علي بوحجة، المجاهد والجنرال المتقاعد حاليا، في منطقتي عين الكرمة وكاف النسور بالقالة ولاية الطارف.
تزوج عمي مسعود سنة 1963 بفتاة في الـ14سنة، وهو لا يعلم أنه شهيد حسب سجل الحالة المدنية بسطيف، حيث قال إنه وثق عقد قرانه بوثائق جيش التحرير الوطني.
في سنة 1967، اكتشف الأمر فوجد نفسه مسجلا ضمن قائمة الشهداء الأبرار، ومن ذلك الحين وهو يسعى لإثبات وجوده كحي يرزق في أرض أعطى الكثير لأن تحرر من قيود الاستعمار.
قصد سنة 1974، وزير العدل حافظ الأختام، بوعلام بن حمودة، فأمر هذا الأخير النائب العام لمجلس قضاء سطيف المدعو “ميهوبي” بحل المشكل نهائيا، عمي مسعود حينها وجه سؤالا لميهوبي وهو يضحك “كيف تزوجت سنة 1963 وأنا ميت؟!”.
“لقد أمر النائب العام بسطيف بتسوية وضعيتي دون اللجوء لحكم قضائي” يؤكد المجاهد الشهيد مسعود نملة، والذي تفاجأ بعد سنوات من ذلك أن مشكلته بقيت مطروحة، ولم يشطب من سجل الوفيات. وكان يستخرج عمي مسعود شهادة الميلاد من بلدية البابور بسطيف، وتمكن بوثائق جيش جبهة التحرير الوطني الاستفادة من منحة مجاهد، بالمقابل إذا أراد أن يستخرج شهادة الوفاة فتمنح له.
واصطدم بالأمر شهر فيفري الماضي، عندما قصد سطيف للاستفادة من شهادة “آس 12″، حيث وجه لمحكمة عين الكبيرة بالولاية لتسوية مشكلته مع شهادة الوفاة قضائيا، وتم تحويل قضيته لمحكمة بن عزيز في المنطقة.
قال المجاهد نملة، إنه استفادة من شهادة “آس 12″ ولكن حل مشكلته بقي نسبيا، إذ هدد بتجميد منحة المجاهدين إذا ما بقي مسجلا في الحالة المدنية رقم 2، شطب وفاته نهائيا من دفتر الوفيات.