شيخ المسرحيّين أمحمد بن قطاف في ذمة الله
فقدت الجزائر ليلة أول أمس الأحد، عميد المسرحيين الكاتب والممثل والمخرج ومدير المسرح الوطني محي الدين بشطارزي، أمحمد بن قطاف، الذي رحل عن عمر يناهز الـ75 سنة و48 سنة من الإبداع بعد صراع مع المرض.
من مواليد 1939 بحسين داي في الجزائر العاصمة، دخل الساحة الثقافية عبر الإذاعة الوطنية كممثل ابتداء من سنة 1963، و إلى غاية 1966 مع الفنان الراحل محمد ونيش، وفي الإذاعة قام بترجمة “عطيل” و”تاجر البندقية“، ثم التحق بالمسرح الوطني في نفس السنة أين شارك في 85 مسرحية كممثل.
كتب أول نص تأليفا خالصا “حسنة وحسّان” وكان ذلك سنة 1975، وأنجزها الفنان سيد أحمد أڤومي، الذي كان حينها مديرا لمسرح قسنطينة ـــ عنابة وأدى الأدوار صونيا، ومحمد فلاڤ، وحميد رماص ومصطفى عياد، وهي السنة التي تأسست فيها “اللامركزية” في المسرح، و كتب ثاني نص سنة 1980 “جحا والناس“، كما ساهم في اختيار النص وكتابة الأغاني لعرض “قالوا العرب قالوا” الذي لحّنه الموسيقار الجزائري الراحل الشريف قرطبي، واقتبسه زياني شريف عياد، وعز الدين مجوبي.
ولأنه كان مهووسا بكرة القدم ألّف مسرحية “الجيلالي زين الهدات” نزولا عند رغبة الفنان محمد فلاڤ، سنة 1986 وذلك احتفاء بمشاركة المنتخب الجزائري في كاس العالم المكسيك.
اشتهرت نصوصه بالجرأة والعمق سواء أيام الحزب الواحد أو بعد التعددية الحزبية، وترجمت إلى عدة لغات ومثلت في دول عربية وغربية على غرار “موقف إجباري” و”عقد الجوهر“. واشتهر أكثر بمسرحية “العيطة” التي توجت في مهرجان قرطاج.
كان يعتبر الراحل مصطفى كاتب، أباه الروحي فهو من أدخله المسرح الوطني، واختاره في أول مسرحية بالعربية “عنبسة” للراحل أحمد رضا حوحو، كما توج في أهم المهرجانات المسرحية في الداخل والخارج، و حصد الكثير من الجوائز أهمها تتويجه في قرطاج سنة 1987، عن مسرحية “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” عن رواية الطاهر وطار ــ رحمه الله ــ، ثم توج في السنة الموالية في ذات الحدث الثقافي عن مسرحية “العيطة“.
نجح أمحمد بن قطاف ــ رحمه الله ــ في التواصل مع مختلف الأجيال، وسعى إلى تحيين نصوصه سواء المقتبسة أو المؤلفة التي فاقت العشرين مسرحية، من خلال إعادة إنتاجها وتكليف مخرجين وممثلين شباب بذلك، على غرار “التمرين” ومسرحية “فاطمة” التي أداها بلغاريون وأسبان وفرنسيون، وأسس تقليد “صدى الأقلام” للقضاء على القطيعة بين أبي الفنون ومختلف الأنواع الأدبية النثرية و الشعرية، كما عمل على وصول إلى المسرح في الجنوب. وتشجيع أبنائه من المهتمين باستقبالهم وإشراكهم في الاقامات والأعمال المسرحية، على غرار إقامة الإبداع التي أشرف عليها المسرحي العراقي الراحل قاسم محمد، وأسس لتدعيم ذلك تقليدا آخر هو “مسرح أيام الجنوب“.
كان من مؤسسي مسرح “القلعة” نهاية الثمانينيات، وشارك في عدة إقامات تأليف في فرنسا و كاليفورنيا، كما كان من الأسماء العربية اللامعة التي تمثل الجزائر في لجان التحكيم الدولية.
عين مديرا للمسرح الوطني محي الدين بشطارزي سنة 2003، وعين محافظا للمهرجان الوطني للمسرح المحترف بعد عودته سنة 2006، كما ترأس دائرة المسرح في تظاهرات الجزائر الكبرى منذ 2007، وإلى غاية 2011 في تظاهرة “تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية“.
اجتهد في بعث الحركة المسرحية
بن ڤطاف كرس الانتماء العربي للجزائر خلال العشرية الحمراء
عمل المخرج المسرحي المعروف امحمد بن ڤطاف طيلة بقائه على رأس المسرح الوطني محي الدين بشطارزي على بعث الحركة المسرحية من جديد بعد الركود الذي طالها لأكثر من عشر سنوات في العشرية السوداء، وما إن تخلصت الجزائر من شبح الإرهاب حتى راح يخطط للأرضية التي من شأنها إنعاشها الحركة المسرحية في بلادنا من جديد.
ولعل اهم نقطة يجب الإشارة اليها والتطرق اليها، هي حرص المبدع الجزائري أمحمد بن قطاف على التوجه العربي للجزائر، في قيادته للمسرح الوطني بعد العشرية السوداء، ويظهر ذلك من خلال استضافته لأسماء ثقافية وفنية ثقيلة على الصعيد العربي في حقل المسرح والشعر، فاستضاف الشاعر الشعبي المصري المعروف الذي رحل عنا هو الآخر قبل أسابيع أحمد فؤاد نجم، وغيره، كما كان له الفضل في نقل الصورة المشرقة للمسرح الجزائري والجزائر مع بعد الصورة السيئة التي ارتسمت عنها في مخيلة العالم أجمع خلال العشرية، وذلك من خلال مختلف المهرجانات التي احتضنها المسرح الوطني، اهمها المهرجان الوطني للمسرح المحترف، الذي حرص القائمون عليه على استضافة ألمع نجوم فن التمثيل في العالم العربي، فشهدت فعالياته مرور الفنانة السورية المعروفة منى واصف، الفنانة القديرة سميحة أيوب، الفنانة انتصار، الفنان السوري الكبير أسعد فضة وزوجته الفنانة الراحلة مها الصالح، والفنان المصري الراحل سعد أردش.
ومن جهة أخرى، عمل الفنان الراحل أمحمد بن ڤطاف الذي شغل منصب مدير عام المسرح الوطني محي الدين بشطارزي على إنتاج كم هائل من المسرحيات الجديدة والتي أنعشت الإنتاج المسرحي الوطني بعد فترة طويلة من الركود، كما فتح الباب أمام العديد من المواهب الشابة المتخرجة من المعهد العالي للفنون الدرامية ببرج الكيفان، التي انضمت إلى الفرقة المسرحية للمسرح الوطني، وتمكنت بفضل الرعاية التي خصها بها من استئناف مسيرتها الفنية على أسس متينة رغم قلة الإمكانات، ونتج عن بعث الحركة المسرحية بعد العشرية السوداء في كسب جمهور المسرح بعد عزوف عنه دام اكثر من عشر سنوات، وبعد انقطاع عنه، اصبح الجمهور الجزائري يتنقل إلى المسرح من اجل مشاهدة مختلف الأعمال المسرحية.
العائلة رفضت التصوير أو نقل الجثمان إلى قصر الثقافة
وصية بن قطاف.. جنازة عادية من المنزل إلى المقبرة
علمت الشروق من أفراد أسرة المرحوم بن ڤطاف انه عندما اشتد عليه المرض، أوصاهم بألا يحظى بأي مراسيم رسمية، وأن يخرج من بيته مباشرة إلى مكان الدفن، ما دفع أبناءه إلى منع التصوير على التلفزيون الجزائري وباقي القنوات الخاصة وحتى الصحف.
التزمت عائلة الفنان أمحمد بن ڤطاف بوصية الوالد الذي أصر وهو على فراش المرض أن تكون جنازته جنازة مواطن بسيط، أن يخرج جثمانه من منزل العائلة بحي ڤاريدي بالقبة إلى مقبرة العالية مباشرة دون أن يعرج به –كما جرت العادة–على قصر الثقافة مفدي زكرياء أو إلى المسرح الوطني محي الدين بشطارزي.
تومي وبن تركي تنقلا إلى مستشفى عين النعجة ليلة الوفاة
توفي بن ڤطاف بالمستشفى العسكري عين النعجة الذي دخله منذ خمسة أيام من دون أن تعلم العائلة أي شخص حتى المقربين بالخبر.
وأكدت لنا بعض المصادر أن وزيرة الثقافة خليدة تومي كانت تعلم بمرضه وكانت من أشرف على نقله إلى المستشفى بعد أن ساءت حالته الصحية وأنها تنقلت ليلة وفاته إلى المستشفى رفقة لخضر بن تركي مدير الديوان الوطني للثقافة والإعلام لإلقاء النظرة الأخيرة عليه وتعزية أسرته.
هذه الأخيرة رفضت رفضا قاطعا مخالفة الوصية وأصرت على تنفيذها حتى أنها منعت القنوات والصحف من التصوير نزولا عند رغبة المرحوم بن ڤطاف الذي عاش بسيطا وأراد أن تكون جنازته بسيطة كذلك.
رحم الله أمحمد بن ڤطاف وأسكنه فسيح جنانه
الأسرة الثقافية الجزائرية والعربية تنعي فقيد الفن الرابع
بن قطاف.. الأخلاق والتواضع والجدية والعمل والالتزام
انتشر خبر وفاة عميد المسرحيين في الجزائر، أمحمد بن قطاف، بسرعة البرق فسارعت أبرز الشخصيات المسرحية والإعلامية في العالم العربي، إلى التعبير عن أسفها لمصاب الجزائر بفقد قامة من قامات الفن الرابع، عبد الكريم برشيد من المغرب، ونادر القنا من الكويت، ومنصور العسيري من السعودية، ووفاء الحكيم وحسن عبد الرحيم وصفاء البيلي من مصر، وتيسير نظيمي من فلسطين وغيرهم ممن عرفوا الفنان عن قرب.
ومن جهتهم حج رفقاء المرحوم وأصدقاؤه وأبناؤه في المسرح الوطني، إلى منزل الفقيد بحي ڤاريدي لإلقاء النظرة الأخيرة عليه قبل نقله إلى مقبرة العالية.
الفنان طه العامري
“فقدت رفيق درب وفقدت الجزائر واحدا من أهم مثقفيها ومبدعيها، بن قطاف معروف بأخلاقه العالية و تواضعه وإنسانيته، فنان متكامل وكامل كتب وأخرج ومثل وقدم فنّا جادا وهادفا، وفتح الأبواب أمام الشباب وأمن به، وعندما أصبح مديرا للمسرح الوطني لم يغلق الأبواب بل شجع الجميع“.
الفنان عمر معروف
“أمحمد بن قطاف عندما جاء من الإذاعة إلى المسرح الوطني مع محمد ونيش، وجد مصطفى كاتب، وعلال المحب على غرار أبناء ذلك الجيل يحسنان اللغة الفرنسية أكثر من العربية، وكان بن قطاف متحكما في اللغة العربية وملما بها فاستطاع أن يبدع ويترجم ويثبت نفسه، بن قطاف لم يتغير ولم ينس جيله“.
الفنان إدريس شقروني
“عرفت الشيخ أمحمد بن قطاف سنة 1971، وعملت معه كمساعد، هو فنان حقيقي لم يغير طباعه في الجدية والالتزام حتى عندما أصبح مديرا، قبل رفع الستار يحضر ساعتين قبل العرض ويشرف بنفسه على التدريبات“.
الفنان العيد قابوش
“اعترف بأفضال هذا الرجل النبيل عليّ شخصيا، وعلى أبناء جيلي من الممثلين والمخرجين، ما ميزه هو قدرته على التعامل مع أبناء جيله وفتح الأبواب لهم كلما أغلقت في وجوههم، وأنا شخصيا أعطاني الفرصة في العاصمة وساعدني“.
فتح النور بن ابراهيم مدير الاتصال بالمسرح الوطني
“فقدنا أبا عاشقا للمسرح حتى النخاع، عندما دخل إلى المسرح سنة 2003، وجده قلعة مهجورة تحوم فيها الأشباح فبذل قصارى جهده وآمن بالشباب ليحولها إلى روضة للإبداع، أهم تكريم يمكن أن نكرّم به الشيخ بن قطاف، هو مواصلة العمل على نهجه والحرص على استمرارية ما أسس من تقاليد مسرحية وثقافية، فهو من ظل يردد دائما “الحدود الجزائرية تحمى بالثقافة والمسرح“.
الفنان سيد أحمد قارة
“من الصعب أن نصدّق أننا خسرنا الشيخ أمحمد بن قطاف إلى الأبد، كان الفنان والأب للجميع، وأنا شخصيا تعلمت منه ووضع ثقته في إمكاناتي، وتمكنت بفضل مساعدته من قطع شوط كبير في الإبداع، ساعد مختلف الأجيال على تقديم الإضافة للمسرح في الجزائر“.
عبد القادر بوعزارة مدير الأوركسترا السيمفونية الوطنية
“فقدنا اليوم قامة من قامات الثقافة الجزائرية، انه فعلا شخصية وطنية مميزة ونادرة، ولا يمكن أن نعوضها أبدا، واحد من جيل علولة ومجوبي نذر عمره للمسرح وقدم الكثير له“.
نجاة طيبوني إطار بالديوان الوطني للثقافة والإعلام
“خسرت الجزائر اليوم، مثقفا بمعنى الكلمة، فنانا متكاملا ومبدع كتابة وتمثيل وإخراج، خسارة كبيرة للجزائر أن يغادر بن قطاف، بدون رجعة ولا نملك إلا أن نترّحم عليه، وندعوا له ونستفيد من مسيرته الأدبية“.
الفنانة ليندة سلام
“بن قطاف ـ رحمه الله ـ شمعة أخرى من شموع الجزائر انطفأت وتركت الظلام الذي خيّم على مسرحنا، فقدنا أبا وصديقا لطالما شجعنا ودعمنا، والآن المسرح ينهار برحيله“.
الفنانة آمال منيراد
“بن قطاف ــ رحمه الله ــ هو من فتح الباب أمامنا ووضع ثقته في مواهبنا، وأعطى المرأة المبدعة الفرصة لتبرز إمكاناتها في التمثيل والإخراج، كان عمود المسرح في الجزائر لا يرد محتاجا إليه أو طالبا للمساعدة“.
الفنانة سعاد سبكي
“أحب الشباب وقبل المغامرة معه، هو من أعطانا الفرصة والفضاء لنثبت موهبتنا، وقدم لنا الدعم المناسب، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، ولن ننساه أو ننسى ما قدمه لنا كإنسان وكفنان وكأب“.