الرأي

شيطان تمثَّلَ بشرا

يمرّ في هذه الأيام قرنٌ على مقتل “شيطان”، حاول أن يظهر “بشرا مجيدا”، ولكنه لم يكن إلا “شيطانا” مريدا، أعني هذا الكائن المسمى شارل دوفوكو، الذي رغب عن سنة الله –عز وجل– وسنة أنبيائه ورسله – عليهم الصلاة والسلام– في إقامة الحياة البشرية على مبدإ “الزوجية”، ثم تطلّعت نفسُه إلى نيل أنبل مَهمّة وأشرفها، وهي مَهمّة “الأبوّة”، فتكنّى أو كُنّي بـ”الأب”، من غير أن تكون له زوجٌ يسكن إليها، ويكون كل منهما للآخر “لباسا”، ومن غير أن يكون “رجلا” بتحمُّل مسؤولية هذه الأبوّة الشريفة.

الحقيقة هي أنّ هذا الكائن الذي عمل على سرقة خيرات الجزائريين وعقولهم، قد أُعِدّ إعدادا خاصا ليمارس أقذر المَهمّات وأشدّها إجراما ووحشية، إنها مهمّة قتل الشعب الجزائري، وقد مارس ذلك بأسلوبين: 

1) أسلوب القتل المادي، وقد أُعد لذلك في “مدرسة” سان سير العسكرية، حيث يُعَدّ المجرمون الفرنسيون على أحطِّ أساليب القتل على أيدي أكثر الفرنسيين عُتوّا وقسوة، ولما أنهى تكوينه زُجّ به في الميدان ليطبِّق ما عُلِّم على الشعب الجزائري الأعزل. وكان الميدان الذي عمل فيه، ومارس جرائمه هو الغرب الجزائري، حيث شارك تحت قيادة أحد كبار المجرمين – الجنرال ليوتي– في قتل الجزائريين وتعذيبهم في أثناء جهاد الشيخ بوعمامة، رحمه الله، ورضي له قولا وفعلا.. ولو أنطق الله شجر وحجر – فضلا عن بشر– مناطق عين الصفراء، والمشرية، والنعامة… لشهدت بما ارتكبه المجرمون الفرنسيون –ومنهم دوفوكم– من جرائم يندى لها أحطّ البشر وأكثرهم خِسّة، الذين لم يعرفوا قيمة من القيم البشرية، ومبدأ من مبادئ الإنسانية ولو لم تكن متحضِّرة. 

2) أسلوب القتل المعنوي، حيث عمل هذا “الشيطان” الذي تمثَّل بشرا في إطار المخطَّط الفرنسي الصليبي على إخراج الجزائريين من نور التوحيد إلى ظلمات التثليث. 

لقد عمل هذا المجرم الذي تزيّى بأنصع الثياب، وتكنّى بأنبل الكنى “الأب” طيلة عشر سنين ما بين منطقتي بني عباس وتمنراست، وما بينهما، وحولهما من قرى ومضارب، وكل ذلك تحت حماية ورعاية المجرم الأكبر الآخر، الجنرال لآبيرين. 

لقد عمل دوفوكو كل ما استطاعه من مكر وخداع، وتلبيس ليُضِلَّ الجزائريين، ولم ينجُ من مكره الكبارُ حتى الصغار، الذي شهد هو نفسه بأنهم كانوا عندما يرونه يتولُّون منه فرارا، ويحسبونه “شيطانا” لا بشرا..

لقد كان هذا “الشيطان” يسابق الزمن ليحقِّق هدف فرنسا الأكبر، وهو تنصير الجزائريين، وقد قال في رسالةٍ وجَّهها من تمنراست إلى أحد أصدقائه في باريس في سنة 1912، إننا إن لم ننصّر الجزائريين في مدى خمسين سنة فستتكوّن روحٌ قومية أساسها الإسلام لطرد فرنسا من إمبراطوريتها. (انظر الرسالة في جريدة لوموند بتاريخ 17 ماي 1957). 

لقد اعترف هذا “الشيطان” المريد بأنه لم يستطع خلال عشر سنين من الجهود ووسائل الترغيب والترهيب تنصيرَ جزائري واحد، كما نقل ذلك عن تقرير بـ”دوفوكو” إلى الفاتيكان. (انظر إميل فيلكس جوتي: الأبطال الثلاثة). 

وكانت نهاية هذا “الشيطان” في الفاتح من ديسمبر من عام 1916 في مدينة تمنراست على يد شابٍّ جزائري ادّخر الله له هذا الشرف. فيا إخوتي وأخواتي من الجزائريين والجزائريات، إنه لم يحفظنا في أيام المحنة الفرنسية إلا الإسلام، ولم نسترجع كرامتنا وسيادتنا إلا بالإسلام، ولا بقاء لنا – مجتمعا ودولة– إلا بالإسلام، فلنعتصم به، ولا نلقي السمع لدعاة الضَّلال والانحلال باسم “الفن” و”الأدب”. 

مقالات ذات صلة