الرأي

شيوخُ المداخلة وأولو الأمر والمقاومة الفلسطينية (2)

خير الدين هني
  • 937
  • 1

مشكلة هؤلاء المداخلة، أنهم يطعنون في أي حدَث أو حادث أو قصة، لا يروقهم معناها فيبحثون لها عن علّة ضعف ولو بالاختلاق، مثلما فعلوه مع قصة هذا الأعرابي مع عمر، فقالوا: لا يمكن الاستدلال على معارضة هذا الأعرابي الجِلف لعمر، واتخاذها سندا شرعيا لمعارضة وليِّ الأمر، لأن جلافته هي من جعلته لا يقدِّر مقام وليِّ الأمر، ولو كان على غير ذلك ما قال له ما قال.
هؤلاء الشيوخ الذين ابتُليت بهم الأمة في آخر زمانها، أغفلوا حكم الآيات التي تنهى عن موالاة اليهود والنصارى الظالمين المعتدين، وأوّلوها بما يرضي أهواء أوليائهم لاسترضائهم، ومعناها حسب ما جاء في رواية سبب النزول، أن “عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج، جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثيرٌ عدَدُهم (كانت العرب تنكِّر اسم يهود احتقارا لهم)، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من وَلاية يهود، وأتولَّى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أُبيّ: إنّي رجلٌ أخاف الدَّوائر، لا أبرأ من ولاية مَواليّ. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-لعبد الله بن أُبيّ: يا أبا الحباب، ما بخلتَ به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه؟ قال: قد قبلتُ، فأنـزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضُهم أولياء بعض” إلى قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ”.

 يُجمع هؤلاء الشيوخ –حسب ما سمعناه في تسجيلاتهم- على أن المقاومة هي من استفزّ الكيان، وأنهم “خوارجُ العصر” الضالون و”كلاب النار”، اقتداء بما قاله علي جمعة واصفا أهل الشرعية المُعتدى عليهم، لأنّ المقاومة لم تعقد الحرب تحت راية محمود عباس المسجون في رام الله، والمكلف بحماية الكيان من هجمات المقاومين وغضبهم، وأفتوا بأن المقاومة “ليست جهادا وإنما هي ترويع واعتداء على مدنيين مسالمين”!

أو يكشف للعدو عورات المسلمين، ونقاط الضعف في صفوفهم وتجهيزاتهم وعتادهم وخططهم ومخابئهم، أو يُظاهِر أو يتجسّس عليهم أو يحرِّض على قتلهم وإبادتهم، مثلما يفعله الأعراب المطبِّعون مع الكيان، لتصفية المقاومة وروح التحرّر من الاحتلال عند الفلسطينيين، وجعل بلاد المسلمين ومقدساتهم موطنا للصهاينة الغرباء، المستورَدين من أوروبا الشرقية وشتات الأرض، كما صرّح بذلك أحد الخونة من منتسبي دولة مطبِّعة مارقة عن الدين والأعراف والطبيعة البشرية، حين حرّض الصهاينة على إبادة المقاومة الفلسطينية، أمام مرأى ومسمع وموافقة ورضا شيوخ المداخلة المدلِّسين، ويُجمع هؤلاء الشيوخ –حسب ما سمعناه في تسجيلاتهم- على أن المقاومة هي من استفزّ الكيان، وأنهم “خوارجُ العصر” الضالون و”كلاب النار”، اقتداء بما قاله علي جمعة واصفا أهل الشرعية المُعتدى عليهم، لأنّ المقاومة لم تعقد الحرب تحت راية محمود عباس المسجون في رام الله، والمكلف بحماية الكيان من هجمات المقاومين وغضبهم، وأفتوا بأن المقاومة “ليست جهادا وإنما هي ترويع واعتداء على مدنيين مسالمين”، هل رأيتهم تدليسا أكبر من هذا التدليس، وتحريفا أخطر من هذا التحريف، وتزويرا لحقائق الإسلام أعظم من هذا التزوير؟!
والجهاد بالكلمة أعظم أنواع الجهاد وأبلغ من الجهاد بالسلاح، حين لا يفيد السلاح في بعض المواقف المخزية لحكام الجور قبل تحذيرهم بالخروج عليهم، إن تمادوا في الضلال والخيانة وبيع الأوطان للأعداء، وهذا هو عين “الجهاد بالسُّنن” كما قال شيخ مدخلي خائن، وهو يرغي ويزبد ومنتفخ الأوداج بالعويل والصراخ والصياح، مناديا أبا عبيدة المجاهد: “جاهِد بالسُّنن يا أبا عبيدة”، ولا نعلم كيف يكون الجهاد بالسُّنن، إذا لم يكن بالسلاح عند القدرة، أو قوليًّا أو قلبيًّا عند العجز؟ وإذا كان هذا المدخلي لا يحسن إلا فقه الطهارة، والوضوء والغسل من الجنابة والوعظ والإرشاد الأخلاقي، ولا يحسن فقه السياسة الشرعية (القانون الدستوري والعلاقات الدولية)، كما هو معروف عن ثقافة مشايخ الوعظ والإرشاد، فالأولى به أن يصمت لعله ينجو من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، والسكوت مستحبٌّ –شرعا- للعالم الذي يخشى على نفسه بطش الحاكم الظالم الذي لا يخشى الله، فهو مترخّص في ذلك خلافا للعالم الشجاع الذي باع نفسه لنصرة الحق والعدل ولا يبالي بما يقع له، فهذا صاحب عزيمة والآخر مترخِّص، ولكل أجره وثوابه بحسب الموقف والشجاعة والجبن.
وقول الحق أمام سلطان خائن وغادر ومطبِّع، هو “الجهاد بالسنن” يا شيخ المدلّسين؛ إذ لا يجوز جهادُه بالسلاح إلا بعد مراجعته وتحذيره من أهل الرأي والمشورة، ولا أعتقد أن شيوخ المداخلة يجهلون حديث طارق بن شهاب، اللهم إلا إذا التمسوا له علّة تضعيف لتبرير إبطال العمل به، كما هي عادتهم مع أي نص صريح، أو حادثة تاريخية لا يعجبهم سياق وقوعها، فيضعِّفونه إن كان حديثا أو يؤوِّلونه تأويلا فاسدا إن كان قرآنا، أو لا يعترفون به إن كان حقيقة تاريخية، كما قال أحد شيوخهم لسائل حينما واجهه بأقوال مؤرخين مرموقين حول وقوع حادثة شهيرة وقعت في عهد ما قبل عمر بن عبد العزيز من الخلفاء الأمويين: فقال الشيخ: “نحن لا نعترف بالتاريخ”، لأن أحداث تلك الواقعة الشهيرة يتعارض الإقرار بها مع الخط السياسي والمذهبي لدولته، وهو الخط الذي يشايع الأمويين لأسباب تاريخية اتَّحدت أسبابها في إيصالهما إلى الحكم بالطريقة ذاتها.
إن هؤلاء الشيوخ يُفترض أن يكونوا أعلاما سرجا للمسلمين، يُهتدى بهم في ورعهم وزهدهم وقولهم الحق في كل الأحوال، وقدوة يتَّبع الناس مناهجهم وسننهم وسبل هديهم، في علمهم وصلاحهم وورعهم وخوفهم الشديد من الله، وألّا يقولوا إلا حقًّا أو يصمتوا، لأنهم مسئولون أمام الله والأمة والتاريخ، على آرائهم وفتاويهم إن كانت في غير صالح الأمة، فالعلم إذا لم يقِوِّم سلوك صاحبه ويبعده عن طريق الزيغ والضلال والهوى، سيكون شرا مستطيرا عليه وسيلاحقه بالخزي والعار واللعنات في حياته وبعد مماته، وهذا ما يجب على العلماء والشيوخ أن يعوه حق وعيه ويحذروه، ويلتزموا بما يبلّغهم مراتب الكمال في الأقوال والأفعال تسنُّنا بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وسيِّر الخلفاء الراشدين، وصلحاء العلماء والأئمة الذين سجل التاريخ مواقفهم المحمودة، كمالك وأحمد وابن حنيفة والشافعي وغيرهم كثير، ممن أبوا بيع دينهم وذمتهم للخلفاء الظالمين.

 قول الحق أمام سلطان خائن وغادر ومطبِّع، هو “الجهاد بالسنن” يا شيخ المدلّسين؛ إذ لا يجوز جهادُه بالسلاح إلا بعد مراجعته وتحذيره من أهل الرأي والمشورة، ولا أعتقد أن شيوخ المداخلة يجهلون حديث طارق بن شهاب، اللهم إلا إذا التمسوا له علّة تضعيف لتبرير إبطال العمل به، كما هي عادتهم مع أي نص صريح، أو حادثة تاريخية لا يعجبهم سياق وقوعها، فيضعِّفونه إن كان حديثا أو يؤوِّلونه تأويلا فاسدا إن كان قرآنا، أو لا يعترفون به إن كان حقيقة تاريخية.

ومن مغالطات شيوخ المداخلة في تمجيد أوليائهم غير الصالحين، ما يمكن توضيحه في التالي: إذا كان الإسلام يجوِّز لولاة الأمور-وهم نخبة المجتمع وقدوته وصَفوات الناس، وممَن يجب أن يكونوا أسوة ومثلا أعلى لغيرهم، في علمهم وصلاحهم ووفائهم وإخلاصهم وكفاءتهم وسلوكهم وأخلاقهم ورحمتهم بشعوبهم- يُجوِّز لهم الإسلام الظلم والجور والطغيان والاستبداد والفساد والعبث بالمال العام، والسكر والفحش والزنى واللواط، والتلاعب بأحكام العدالة حسب الهوى والمصلحة، وخيانة الأمة ودينها وثقافتها ولغتها ومصالحها وتاريخها وحضارتها ورموزها التاريخيين، ويبيح لهم التعدي على حريات الناس وأعراضهم بالشبهة والظِنة وتلفيق التهم الباطلة لهم، وسجنهم ظلما ومن غير محاكمة عادلة أو إعدامهم خارج القانون، ويسمح لهم بنشر الإلحاد والشك والمروق والفسوق والفجور، والفاحشة والرذيلة في المجتمع المسلم، أو يبيح لهم العمل بآرائهم الشخصية المتفرِّدة التي غالبا ما يحكمها الجنوح والمزاج الشخصي أو المصلحة الذاتية، من غير مشورة لأهل الرأي والحصافة والفِطنة والكفاءة في القضايا الوطنية الكبرى، أو بإجراء استفتاء شعبي في القضايا المصيرية للأمة، وهو أفضل استشارة عرفها التاريخ السياسي الحديث، وقد فعل ذلك المعصوم -صلى الله عليه وسلم- في غير ما موطن، عملا بالأمر القرآني. “وشاورهم في الأمر”.
إذا سمح الإسلام لأولي الأمر فعل هذه المحظورات، التي تتعارض مع المقاصد الشرعية، فماذا بقي من الدين يمكن الالتزام به؟ !وما الداعي لبعث الأنبياء والرسل إلى إنذار الناس من الشِّرك والإلحاد والمروق والعصيان والفسوق، وإنزال الوحي بالوصايا والتعاليم الصارمة؟! وماذا بقي من هدي ورشد وتعاليم دينية تُصلِح أحوال الناس؟ !هذه التخريجات المدخلية الفاسدة، هي من شجّع مارقي العصر على الطعن في السنة النبوية والمحدّثين والأئمة العظام، الذين نقلوا إلينا السُّنَّة بعدما بذلوا جهودا مضنية في غربلة صحيحها من سقيمها، باستثناء أحاديث قليلة يمكن لأهل الاختصاص المحايدين البحث فيها من جديد، حتى تتلاءم مع أهداف التشريع، لأن العلماء والرواة كانوا واقعين تحت إغراء أو تهديد الخلفاء الأمويين والعباسيين، ممن كانوا يبحثون عن نصوص يدعمون بها اغتصابهم للحكم أو البقاء فيه، ويبررون بها مظالمهم ومناكرهم واعتداءهم على معارضيهم.
هذه بعض الخواطر دفعتني إلى الكتابة عن هذه الفرقة من المشايخ، وهم مَن كان الناس قبل ثورات الربيع العربي يحترمونهم ويبجِّلونهم ويُنزلونهم منزلة الإجلال والإكبار والتعظيم، لأنهم كانوا يعدّونهم مخلصين صادقين، ولكن ما إن انقلب المِجن بالثورة وأصبح أولياؤهم يحاربون فضائل الإسلام والحركات الإحيائية خوفا على ذهاب عروشهم، حتى انقلب هؤلاء الشيوخ وساروا في ركاب أوليائهم، مقابل القربى والزلفى والرضا. قال تعالى: “وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ”، {البقرة:41}.وقوله سبحانه: “الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِين” (الزخرف:67).

مقالات ذات صلة