-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صدام النقابات ومديري الجامعات.. صورة لمنظومة جامعية مهترئة

الشروق أونلاين
  • 1164
  • 0
صدام النقابات ومديري الجامعات.. صورة لمنظومة جامعية مهترئة

ما يحدث من صدام بين النقابات ومديري الجامعات بين الفينة والأخرى مرده بالدرجة الأولى إلى غياب الثقافة النقابية لدى الفريق الأول وغياب ثقافة التسيير والثقافة القانونية لدى الفريق الثاني، فحينما لا يلتزم النقابي بحدود العمل النقابي ويجهل أو يتجاهل طبيعة العلاقة والشراكة التي يتقاسمها مع الآخر فإنه تتكون لديه شخصية مهيمنة وغير مهنية تملي ولا يملى عليها، لا تسأل عما تفعل وهم يسألون، تقحم نفسها في كل شيء، تهدّد وتتوعد وتصعِّد كما تشاء، توصد أبواب الجامعات وتأذن لمن تشاء وتمنع من تشاء، وكأن الجامعة ومن فيها رهن إشارتها أو ربما رهائن لديها حتى يستجاب لها فيما تأمر أو ترسل على الجميع الطوفان الذي لا يبقي ولا يذر، ثم تأتي في النهاية في ثوب الشاكي الذي يحمِّل الإدارة تبعات كل ما حدث ما ظهر منه وما بطن.

إن هذه العقلية النقابية لا يحق لها أن تتحدث بلسان النقابة، بل لا ينبغي أن يكون لها شرف الانتساب إليها، لأنها خرقت معادلة الحقوق والواجبات ولم تفقه دورها النقابي ولم تفقه أن حريتها تنتهي حينما تبدأ حرية الآخرين وأن الشراكة لا تعني الهيمنة أو فرض الأمر الواقع بطرق لا تمتُّ إلى للعمل النقابي بصلة.

 ما أتحدث عنه ليس هو الصورة الحقيقية المطلقة للنقابة في جامعاتنا، ولكنه لا يبتعد كثيرا عن هذه الصورة التي يمثلها بعض النقابيين الذين لا يملكون الثقافة النقابية التي تستوجبها الممارسة النقابية، وهما المبدآن اللذان يحولان دون أن يبغي شريكٌ من الشركاء على آخر، ويؤسس في المقابل لأرضية حوارية تشاركية تصب في مصلحة الجامعة والمجتمع. إن القانون حينما رخّص حق الممارسة النقابية فإنه قيّد هذا الحق بعدم مخالفة التنظيم، والتنظيم في العرف القانوني هو جملة القوانين والتشريعات التي تسيِّر المؤسسة العمومية أو الخاصة والتي يجب أن تُحتَرم من كل الشركاء الاجتماعيين، لأن عدم احترامها يؤدي إلى تحول العمل النقابي إلى عمل فوضوي سيكون بلا شك بداية للانفلات من سلطة القوانين.

إذا كان ما ذكرته الصُّحف من أن مدير جامعة قام بتحريض أحد حرَّاسه على أساتذة لصدِّهم ومنعهم من عقد اجتماع لانتخاب فرع لنقابة “الكناس” موثقا وصحيحا، فإن الأمر خطيرٌ جدا وحقير في آن واحد، لأن هذا يؤكد أن طريقة “الأنياب” قد أضحت طريقة مثلى عند بعض مديري الجامعات لجبر الفقر القانوني الذي يعانون منه.

كل هذا وأكبر منه يحدث في الجامعة الجزائرية من نقابات لا تحسن من العمل النقابي إلا لغة التهديد والتصعيد التي من شأنها أن تضيف نقاط سوداء لمنظومة جامعية مهترئة لا ترقى لمستوى التحديات التي يفرضها عالم الأفكار والابتكار.

إن النقابات التي لم تفقه وظيفتها النقابية ولم توفق في حشد مناضليها للمهمات الكبرى لإحداث التغيير داخل الجامعة وآثرت لغة الصدام على لغة الحوار لا يُنتظر منها أن تشكل قيمة مضافة في مشروع التطوير الجامعي، ويكفي دليلا على ذلك أن أكثرها يعاني خللا تنظيميا رهيبا يصل إلى حد عجزها عن التحكم في عمليات الانشقاق داخل صفوفها، بل عجزها عن فرض الانضباط داخل البيت النقابي، وهو الواقع المر الذي  يدفعها إلى تجاوز الأزمة الداخلية ونقل المعركة إلى الجهة الأخرى بافتعال الأزمات والمشكلات.

إن الصدام بين النقابات ومديري الجامعات هو بكل تأكيد صورة لمنظومة جامعية مهترئة تؤدِّي فيها الإدارة دور النقابة وتؤدي فيها النقابة دور الإدارة أو يكون أحدهما ظهيرا للآخر ضد جهة حقيقية أو افتراضية أو انقلاب أحدهما على الآخر عند تنازع المصالح، فلا أحد ينكر أن هناك نقابات جامعية اتخذت العمل النقابي وسيلة من وسائل الضغط على الإدارة، هذه الأخيرة التي لا تجد بدا من الرضوخ للمطالب النقابية حتى ولو كانت مسيّسة وغير مؤسّسة، كالمطالب التي تدعو إلى إزاحة فلان وتولية علان، أو التغطية على ملفات خطيرة تتعلق بسوء التسيير وتبديد المال العام.

ما أقوله واقعٌ تكرَّس في أكثر من جامعة جزائرية تصرَّف فيها المديرون في المرفق الجامعي بطريقة متسلطة من دون أن يجدوا اعتراضا ولا حتى امتعاضا من النقابيين، بل إن بعض النقابيين نزع قبعة النقابة وتخلى عن الحياد وأعلن صراحة قبوله بمبدإ الولاء للارتقاء ولو كان مقابل التنازل عن المبادئ النقابية التي يناضل من أجلها.

ويمثل مديرو الجامعات الطرف الآخر في معادلة الصدام، وهم يتقاسمون مسؤولية ذلك مع النقابات أو يزيدون عليها شيئا قليلا بالنظر إلى حجم المَهمَّات التي يضطلعون بها داخل الجامعة، ومنها المحافظة على استقرار الجامعة وتماسكها والقدرة على حل المعضلات والخلافات التي تنشب بينهم وبين الشركاء الجامعيين وتقليص دائرة الصدام قدر الإمكان.

هذا ما ينبغي أن يكون، ولكن ما هو كائن أمرٌ مختلف تماما؛ فبعض مديري الجامعات بسبب ضعف التكوين أو ربما ضعف الشخصية وغياب الثقافة القانونية يفضلون اللجوء إلى أساليب الردع والمنع مثل ما حدث مؤخرا في جامعةٍ جزائرية، إذ أنه لما ضاقت بمدير الجامعة كل الخيارات لسببٍ من الأسباب التي ذكرتُها، لجأ إلى التعنيف الذي كان ضحيَّتَه أساتذة جامعيون ذنبهم أنهم نقابيون مستقلون، متحجِّجا بأنه والوزير لا يعترفان إلا بالنقابة الحكومية المنضوية تحت لواء الاتحاد الوطني للعمال الجزائريين، فرُبَّ عذر أقبح من ذنب، لأنه لم يحدث قط أن أمرت الوصاية مديريها بالتعامل مع نقابة لأنها نقابة حكومية، ومنعهم من التعامل مع أخرى لأنها نقابة مستقلة، فالنقابة في الأصل لا توصف بأنها حكومية أو مستقلة مادام أنها تنشط بمقتضى القانون، هذه حقيقة لا ينكرها أحدٌ برغم ما يقال هنا وهناك بأن الوصاية تعطي الأولوية للنقابة التي تسير في فلكها وتدير ظهرها للنقابات المستقلة، هذه مجرد أقاويل ولم نقف في الواقع على ما يدعمها من وثائق وحقائق.

إذا كان ما ذكرته الصحف من أن مدير جامعة قام بتحريض أحد حرَّاسه على أساتذة لصدِّهم ومنعهم من عقد اجتماع لانتخاب فرع لنقابة “الكناس” موثقا وصحيحا، فإن الأمر خطيرٌ جدا وحقير في آن واحد، لأن هذا يؤكد أن طريقة “الأنياب” قد أضحت طريقة مثلى عند بعض مديري الجامعات لجبر الفقر القانوني الذي يعانون منه، وهو يذكِّرنا بحادثة مهاجمة حرَّاسٍ للطلبة بمعهد التغذية مستعينين بالكلاب المدرَّبة.

إن طريقة “الأنياب” في التعامل مع النقابات دليلٌ على أن بعض مديري الجامعات لا يحملون في جعبتهم ثقافة قانونية، وربما لا يحملون أيّ ثقافة تُذكر، وأن قدرهم أو إرادة خارجية هي التي جاءت بهم ثم أدركوا بعد ذلك أنهم لا يفقهون قليلا ولا كثيرا في إدارة المهام التي أوكلت إليهم.

إن معالجة المشكلات بين النقابات ومديري الجامعات متاحة وممكنة بالاحتكام إلى التنظيم الذي يضبط العلاقة بين النقابي والإداري، وهي طريقة مجدية وقانونية تغني عن طريقة “الأنياب” وتوتر الأعصاب التي يحتكم إليها بعضُ المديرين الفاشلين والمستبدِّين لإنهاء المشكلة بأسرع الطرق ولو كانت على حساب تماسك الجامعة واستقرارها.

إن الصدام الذي يحدث بين النقابات ومديري الجامعات يؤشر على أن هناك خللا كبيرا في المنظومة الجامعية، ولا بد من أن تتضافر جهود الجامعيين وكل الخيِّرين في الجزائر من أجل علاجه حتى لا يضاف إلى جملة المعوقات الكثيرة التي تحول دون تحقيق قفزة نوعية للجامعة الجزائرية في وقت تعاني فيه من تقهقر وتدهور أركسها في المراتب الأخيرة في التصنيف العالمي للجامعات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!