صراع الهويات
عندما ينفصل المرء عن الجغرافيا التي عاش فيها طفولته وشبابه ويدخل في جغرافيا جديدة لم تكن له دراية مسبقة بها، فإنه سرعان ما يدرك أن هذا الانفصال هو في الأغلب انفصالٌ فيزيائي وليس روحيا لأنه سيبقى يحمل معه الثقافة التي دمغت تلك الجغرافيا التي غادرها شخصيته بها.
لقد تأكدت من هذه الحقيقة عندما صدرت عدة طبعات متتالية لرواية “جذور: قصة عائلة أمريكية” للروائي الأمريكي الجنسية والإفريقي التاريخ والأصول ألكس هالي في عام 1976م، لم أطلع من قبل على هذه الرواية إلاَ عندما أصبحت أعيش في لندن، حيث قرأت هناك عنها الكثير من المراجعات والدراسات التي تقدمها على أنها تحفر عميقا في تاريخ عائلة هذا الروائي المنحدرة من إفريقيا والتي تم اختطافها في عام 1767م من قبل الأوروبيين، ونقلت إلى ولاية مريلاند الأمريكية وبيعت هناك في سوق العبيد.
عن هذه الرواية نال ألكس هالي جائزة بولتزر الشهيرة وبفضل ذلك ترجمت إلى ما يربو عن 37 لغة أجنبية. ويقال عن هذه الرواية إنها قد تمكّنت عن طريق السرد الفني لتاريخ الاستعباد، وللحقائق المتصلة بتاريخ العبيد في الفضاءات الأوروبية/الغربية ليس من”تقصي تاريخ جذوره” فقط، وإنما قد نجحت من الكشف عن”قصة 39 مليونا من الأمريكيين ذوي النسب الإفريقي” في ذلك الوقت، وفضلا عن ذلك فقد أبرزت هذه الرواية للأمريكيين الأفارقة على نحو شديد الدرامية تراثهم الثقافي الغني المسروق منهم وما تبقى منه من بقايا تخاطب كل الأعراق حيثما توجد”.
ومن بين أروع ما كُتب عن هذه الرواية هناك جملة مختصرة ودالة تقول حرفيا بأنها قد”غيّرت” أمريكا، وفي الحقيقة فإن هذه الرواية قد تحوّلت، بفضل الدراسات الثقافية، والاثنية، في الجامعات الأنغلوفونية بالدرجة الأولى، إلى شهادة إبداعية تدين الاستعباد وتنزع الغطاء عن دراما التاريخ الإفريقي الحزين والمؤلم جراء بطش، وتشريد، وتحقير الإنسان الأوروبي/ الغربي الأبيض للشعوب الإفريقية وغيرها، وأكثر من ذلك فإن رواية “جذور” قد أيقظت مختلف الاثنيات المهاجرة في أستراليا، ونيوزيلندا، وغيرهما من البلدان وشرعت تبحث وتسأل عن جذور هوياتها وتزيح النقاب عن الانكسارات التي تعرضت لها عبر مسار التاريخ البشري.
* .. في الواقع فإن ما يدعى بالحضارة الأوروبية “الحضارة الغربية” التي تشكلت خلال قرنين من الحكم البرجوازي، غير قادرة أن تحل مشكلتين اثنتين صنعهما وجودها: مشكلة البروليتاريا، والمشكلة الاستعمارية.
وبالفعل فإن هذا البحث عن الجذور لم يكن مجرد نزهة أركيولوجية محايدة، أو درسا يهدف إلى التأكد من صحة المعلومات الجغرافية، وإلى نبش الأرشيف القديم عن الأسماء العائلية الإفريقية التي تعرضت للمصادرة والتغييب، والطمس، والحذف، والإنكار، والتهميش، بل إن رواية ألكس هالي قد أسالت الكثير من الدموع، وعصرت القلوب، وأيقظت الحس التاريخي لدى المهاجرين، والمقتلَعين من بيئاتهم الأولى إلى الأبد، ولعبت دورا مهما في توفير جزء من الأرضية الخصبة لبناء معمار النظرية القائلة بأن الهويات الثقافية هي من صنع التاريخ بكل تعرجاته، وآلامه، وضحاياه، وأنها ليست ثابتة أو معطاة قبليا.
في تلك المرحلة من حياتي انطلقتُ في اقتناء المؤلفات التي تروي قصص العبيد السود في أوروبا وأمريكا، وهكذا انغمست عدة سنوات في قراءة هذا الأرشيف الإبداعي والتاريخي.
من بين الكتب المهمة التي اشتريتها وقرأتها حرفا حرفا أذكر هنا كتاب “اليعاقبة السود: توسنت لوفيرتور وثورة سان دومنغو” للكاتب والصحافي الشهير في بريطانيا سير كارل جيمس الذي هو من ترينيداد الواقعة على ضفاف بحر الكاريبي والمولود في عام 1901 م والمتوفي في عام 1989م، وكتاب “العاج الأسود: تاريخ الاستعباد البريطاني” لجيمس وولن الذي يروي تاريخ 11 مليون رجل أسود إفريقي وامرأة سوداء افريقية فُصلوا عن أبنائهم وبناتهم، وذويهم وجيرانهم ثم نُقلوا بالقوة من عمق إفريقيا على السفن البريطانية إلى أمريكا لبيعهم هناك. يذكر هذا الكتاب، بالحجة والوثائق، أن عدة ملايين من هؤلاء الأفارقة ماتوا في الطريق بسبب الضرب العنيف، ودوار البحر، وحرارة الشمس المرتفعة جدا، كما يذكر أيضا أن النساء الإفريقيات المحمولات في تلك السفن كنّ يربطن بالسلاسل إلى أوتاد حديدية غليظة وتقيّد أيديهن، وكثيرا ما تعرضن للاغتصاب الجنسي أمام أزواجهن المقيدين طوال الرحلة، وفي المعتقلات التي حُشرن فيها في جزر الكاريبي وفي الأراضي الأمريكية، الشيء الذي أنتج ذرية من أنواع وأشكال وألوان كثيرة منها على سبيل المثال المولوطو، أو الخلاسي ذي البشرة السوداء والعينين الزرقاوين أو الخضراوين وهلمّ جرّا، من كتابه”اليعاقبة السود” تعلمت أن سود هيتي، بقيادة توسان لوفيرتور الذي وُلد عبدا، قاموا بثورة عظيمة ضد مستعبديهم واستعملوا تقنيات كثيرة لكسر القيود لنيل حريتهم، منها وضع السم في منابع المياه التي تتدفق في منازل البيض المستعبدين، وأدى ذلك إلى تحطيم غطرستهم الاستعمارية، وإلى هدم تراث الظلم الغاشم. خلال شهور قليلة أصبحت مكتبتي مملوءة بكتب التاريخ، والروايات، والشعر، والقصص، والأغاني والموسيقى التي تحكي جزءا مهمّا من تاريخ الاستعباد والاستعمار الغربي. في تلك الأيام، وأنا أنتقل من كتاب إلى آخر، حدث أن دعاني وزيرُ الثقافة المغربي محمد بن عيسى مؤسس وراعي أيام مدينة أصيلة الثقافية والفنية للمشاركة في ندوة أدبية، وفي يوم السفر إلى المغرب التقيت بمطار هيثرو بصديقي الكاتب والروائي السوداني الطيّب صالح صاحب الرواية-التحفة “موسم إلى الهجرة إلى الشمال”، وعرفت منه أنه مدعو أيضا إلى تلك الندوة.
إلى مدينة أصيلة حضر عدد كبير من كتاب وأدباء وفناني العالم منهم الأفارقة والعرب والأجانب الأوروبيين، وفي الندوة الأدبية التي شارك الجميع فيها تعرض النقاش على مدى ساعات لمشكلات أدب وثقافات العالم الثالث منها آداب وثقافات شعوب الكاريبي والمهاجرين، والأقليات السوداء في أوربا/ الغرب. بعد الندوة مباشرة جاءتني صحافية من أصل جزائري تشتغل في إذاعة (إ. ري. في) الفرنسية وطلبت مني أن تجري حوارا معي باللغة الفرنسية وأعلمتها أن فرنسيتي تسير على ساق واحدة، ورغم ذلك أصرّت، ودخلنا المعمعة لمدة ساعة، وأخيرا خرجنا منها سالمين.
عند عودتها إلى باريس كلمتني وحدّدت لي تاريخ وساعة إذاعة الحوار الذي جرى بيننا وكان أغلبه عن تجربتي الشعرية في المهجر البريطاني، وعن الشاعر الجزائري/ الأمازيغي سي أمحند أو محند، بعد إذاعتها بأسبوع رنّ هاتفي بشقتي فإذا بالمتكلم هو الشاعر والسياسي المارتينيكي الشهير وأستاذ المفكر فرانز فانون إيمي سيزير صاحب الديوان الرائع “العودة إلى أرض الوطن”، وكتاب “خطاب حول الاستعمار”. في تلك اللحظات شعرت بالسعادة تملأ بيادر حياتي، وخاصة عندما حدثني بلغته الفرنسية الموغلة في سماوات الشعر الزرقاء، والفكر الرصين معا، عن الحوار الذي أجرته معي تلك الصحافية الجزائرية التي ضيّعت مني رياح الغربة اسمها الآن، كان حديثه كثير الودّ، وأحسست بالخجل وهو يثني على شعري الذي سمعه في الراديو الفرنسي في ترجمته بالفرنسية التي أنجزها الكاتب والمستعرب والمترجم الفرنسي الراحل جان ديجو الذي التقيته مرارا في بيته بالجزائر وفي جامعة ويستمنستر البريطانية، وتناهى إليّ أنه توفّي بالسكتة القلبية، وهو في عربة الميترو بباريس قبل أن أراه مرة أخرى، وفي الأخير قدم لي الشاعر إيمي سيزير دعوة شفوية لأزور المارتينيك لأشارك في لقاء أدبي حول الشعر والاستعمار، شكرته ووضعت سماعة الهاتف ولم أتمالك نفسي من الفرح حتى وجدت نفسي في جوف الميترو باتجاه مركز لندن، حيث توجد عشرات المكتبات الضخمة.
في ذلك اليوم اشتريت كل كتب الشاعر إيمي سيزير النثرية والشعرية المترجمة إلى اللغة الانجليزية، وعدت إلى شقتي بسرعة وقضيت الليل كله أقرأ مرّة قصائده، ومرّة أخرى نص كتابه “خطاب حول الاستعمار”. تأملت طويلا قوله المفعم بنقد ازدواجية الحداثة الأوروبية/ الغربية، وفشل النزعة الإنسانية التي غرقت في مركزيتها الطاردة للآخر، وهي النزعة التي لخصها الفيلسوف باسكال المتعجرف في كتابه الشهير”خواطر” بقوله بأن كل ما هو خارج جبال البرانس هو هراء: “إن الحضارة التي تبرهن أنها لا تستطيع أن تجد الحل للمشاكل التي تخلقها هي حضارة منحطة”، ثم قرأت أيضا: “إن الحضارة التي تستخدم مبادئها للخداع والتضليل هي حضارة بصدد الموت، وفي الواقع فإن ما يدعى بالحضارة الأوروبية “الحضارة الغربية” التي تشكلت خلال قرنين من الحكم البرجوازي، غير قادرة على أن تحل مشكلتين اثنتين صنعهما وجودها: مشكلة البروليتاريا، والمشكلة الاستعمارية، حيث أنها لا تقدر أن تبرر نفسها أمام “محكمة العقل”، أو أمام محكمة “الضمير”، وبذلك فإنها تلجأ بشكل مستمر إلى النفاق….”
لست أدري لماذا تذكرَت – في تلك اللحظات المترعة بظلام القطب الشمالي، والتي تزاحمت حولها الرياح المصفحة بالصقيع القادم من ثغور بحر الشمال- النكتة الجزائرية التي تروى عن الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد-، تقول تلك النكتة إن الرئيس الشاذلي قد قال في إحدى خطبه الموجّهة إلى الشعب الجزائري بحماس وصوت جهوري ما يلي: “البلد الذي ليس فيه مشاكل لا يستحق أن يُسمى بلدا، وبلدنا الجزائر ليس فيه مشاكل والحمد لله ربي العالمين !..”.
(…. يتبع)