الرأي

صكوك الغفران لمال فاسد

حبيب راشدين
  • 3546
  • 2

في الساعات الأولى من فتح الاكتتاب العمومي للقرض السندي، كانت 20 مليار دينار قد تحوّلت من أوراق نقدية ـ مجهولة الهويةـ إلى سندات تحظى بضمان الدولة، وتكتسب عذرية وطهارة عند استعادتها بد ثلاث أو خمس سنوات، وهي مشفوعة بمنحة ربوية تتراوح بين 5 و5.75 في المائة لا تسأل “من أين لك هذا”.

هذا الاكتتاب الضخم الذي يُفتح لأول مرة للجمهور قد يكون له ما يبرّره من الزاوية الاقتصادية الصّرفة، وهو ليس بدعة في الاقتصاد قديمه وحديثه، لكنه في حالة دول مثل الجزائر ليس أكثر من بيع مقنّع لأصول الخزينة العمومية أو رهن لها يُشرك المكتتبين في عوائدها من الجباية.

لا مراء فيه من حيث وجاهة الدوافع الاقتصادية في زمن تراجعت فيه الجباية النفطية بأكثر من 60  %، ويُتوقع أن يتجاوز عجز ميزانية سنة 2016 العشرين مليار دولار، ويبشّرنا صندوق النقد الدولي باستمرار العجز حتى نهاية سنة 2020 بنسبة تتراوح بين 12،75 و7%.

سوف نترك المختصين يقدّرون العوائد الاقتصادية المحتملة لهذا الاقتراض بالدينار في بلد يعيش على الاستيراد بالعملة الصعبة، لكن يعنينا بالتأكيد التوقف عند محطتين لا تحتاج أيّ منهما إلى خبراء في المالية والاقتصاد لإدراك تداعياتهما وخطورتهما في بلد مسلم متّهم بتفشي الفساد المالي، وسيطرة الاقتصاد الموازي على الجزء الأكبر من السيولة المتداولة.

المحطة الأولى: لها صلة بما سيسمح به هذا الاكتتاب من إعادة تبييض رسمي لأموال مصدرها الفساد بطرق الغَلول والرشاوى لطائفةٍ من المسؤولين، وأموال نمت عبر النشاط الحصري في السوق الموازية محمية من الجباية، ولكليهما فرصة لا تُعوّض لكسب مشروعية وعذرية تسمح لها بالدخول الآمن غدا في الاقتصاد الرسمي.

المدى القصير المعتمد لهذه السندات يشي بتصدّر غاية تبييض المال الفاسد، خاصة وأن الحكومة تدّعي أن أموال الاكتتاب سوف تذهب لتمويل المنشآت القاعدية، التي تحتاج إلى عقدين أو أكثر قبل أن تنتج عوائد مالية غير مباشرة، فمن أين تموّل الدولة ـ الضامنة للسندات ـ فوائده الربوية، إلا أن تعوِّل على الاستدانة الدائمة، أو الاستعانة بعوائد الجباية، أي بنقل عبء الدفع على هذا الجيل وأجيال قادمة؟

المحطة الثانية: هذا الاكتتاب يتعارض بشكل صريح مع المادة الثانية من الدستور التي تعتبر الإسلام دين الدولة، وتضع أصحابَه في مواجهةٍ صريحة مع عشر آيات محكمات لا تحرّم الربا فحسب، بل تتوعّد المرابين بحربٍ من الله ورسوله.

ثم تأتي المخالفة الصريحة للدستور من جهة بعض أحكامه الوضعية، التي تُلزم الدولة بالمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، فأين هي المساواة حين تمنح الدولة هكذا فرص تنفع لطائفة من مواطنيها يغمضون أعينهم عن أحكام الربا، بينما تحرم البقيّة من الانتفاع من منتجات السوق المالية، وقد كان بوسعها أن تفتح على الأقل نافذة في ما هو متاح ومعمول به الآن حتى في بعض المصارف الغربية بأدوات إسلامية، عوض بما هو أفضل عن القرض الربوي الذي هو مصدر العلة في ما شهده العالم ويشهده من أزمات مالية موسمية.

مقالات ذات صلة