صلاة للغيث وأخرى على “طالبيه”
فهم كثيرون عزوف المواطنين، عن أداء صلاة الاستسقاء، قلّة إيمان أو ابتعاد عن سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الأسباب موجودة، ولا ينكرها إلا من يكذب على نفسه، لكن السبب الرئيسي هو حالة القنوط التي يعيشها الجزائريون والتي انتقلت من الأرض إلى السماء، فالبعض لا يرى جدوى من أداء صلاة، لأجل هطول الغيث، والماء سيكون مستقرّه المجاري والبحار في غياب الأرض المحروثة وحتى الفلاح، والبعض الآخر له قناعة بأنه لو تهاطل مطر أندونيسيا وهولندا وتايلندا على الجزائر، ما غيّر من حالنا شيئا، ولبقيت بواخر القمح والحبوب الجافة، وحتى التفاح والبرتقال والزيتون تأتينا من أمريكا الجنوبية والضفة الشمالية للبحر المتوسط.
وعندما ينتقل القنوط من أداء العباد إلى خالق العباد، فإن الإنسان سيصير معلقا في السماء، كما هو حال الكثير منا، الذين ما عملوا مثل طالبي الدنيا، وما طلبوا من الله يد العون مثل طالبي الآخرة، فصارت الأرض تبكيهم لأنهم لم يضربوها ككل البشر بفؤوسهم، ولم يسقوها بعرقهم، وصارت السماء تعبس في وجوههم، لأنهم ما طلبوا ماءها، لا بعملهم ولا بدعائهم..ولا حتى بأضعف الإيمان.
لا معنى للصلاة ولا للدعاء إذا لم تتوفر إرادة فعل الشيء والنجاح فيه، هذا ما يُجمع عليه جميع الناس في كل الديانات، لأجل ذلك جاءت الدعوة لإقامة صلاة الاستسقاء شاحبة، وجاءت الاستجابة أكثر شحوبا، مثل الأداء الحالي في كل القطاعات، وغاب المسؤولون عن الصلاة، لأنهم مازالوا يؤمنون بشيء واحد، وهو أن البلاد لا يمكنها أن تعيش سوى بغيث أسعار النفط المرتفعة، وصلاة الاستسقاء الأولى بالنسبة إليهم هي لطلب النفط، منذ أن ولّوا وجوههم شطر قبلة “حاسي مسعود”، وغاب المواطنون لأنهم على دين “ملوكهم” ورثوا هذا الاتكال والتكاسل الذي جعلهم يكفرون بالدنيا وبالدين معا.
الغيث هو حلّ جزئي لمشكلة الفلاحة المستعصية في الجزائر، والتي تأكدنا مع مرور السنوات وتوالي وزراء الفلاحة ببرامجهم المتنوعة بأنها تكمن في الإنسان وليس في الماء ولا في المال، لأن مشاكلنا مع الصناعة والثقافة والتكنولوجيا والرياضة، لا يكفيه غيث السماء، ولن ينقذنا من كل هاته الأزمات غير الإيمان بأن العمل سيراه الله ورسوله والمؤمنون، والجزائريون يعلمون بأن جيرانهم يعيشون من الفلاحة اكتفاء ذاتيا وتصديرا، وهم لا يمتلكون سوى جزء مما تمتلكه الجزائر من إمكانيات، بفضل مساحتها الشاسعة كواحدة من أكبر بلاد المعمورة، وإذا كانت صحراء الجزائر هي التي تخنق زراعتها، كما يتوهّم البعض فإنه لا أحد يستطيع فهم لماذا تحتل فرنسا المركز الأول في العالم في تصدير التمور وهي لا تمتلك نخلة واحدة ولماذا تصدّر المجر السمك للجزائر، وهي لا تطل على البحر؟.
حالة الجفاف التي تعرفها الأراضي الفلاحية في الجزائر تجعلنا في حاجة إلى صلاة للاستسقاء، ولكن المشكلة الكبرى في جفاف القلوب والضمائر؟