الجزائر

صورٌ من ذاكرة الاستقلال

الشروق أونلاين
  • 898
  • 0

مسيرات الجمعة 8 مارس، بزخمها وأعلامها وسلميتها وشعاراتها وحماسها وحناجر الشوارع ودموع الكبار من الشيوخ والعجائز الذين أبكتهم الأيام على الأيام، أعادتني 57 سنة إلى الخلف: إلى تاريخ لم يعُد يتذكَّره إلا نسبة قليلة من الشعب الجزائري، قياسا بجيل الشباب ما دون 30 من العمر.. إلى يوم 5 جويلية 1962.
كنا وقتها صغارا في السابعة من العمر وقد عمَّت الأفراح كل المدن والقرى حتى تلك النائية. لم نكن نعيش في المدينة، كنا نسكن قرية صغيرة ولم ندخل المدرسة الفرنسية التي حرَّمها والدُنا علينا.. مدرسة لا تتعدى أقسامُها 3 حجرات من حديدٍ جاهز وضعتها فرنسا في السنوات الأخيرة للاحتلال لتلقين السكان “الأنديجان” أبجديات اللغة الفرنسية.
خرجنا من البيوت كبارا وصغارا، ذكورا وإناثا: الكبار، كثير منهم ركبوا الشاحنات وذهبوا باتجاه مدينة مغنية أو ندرومة للاحتفال بالاستقلال. الكبار والصغار بقوا في القرية يحتفلون على طريقتهم برفع الأعلام والهتافات: تحيا الجزائر.. تحيا بن بلة. حتى عبارة تحيا بن بلة.. كنت أستغرب وأنا صغير لماذا يقولون عن ذَكر.. تحيا وليس يحيا.. فقد كنت قد حفظت أكثر من نصف المصحف وأفهم قليلا في قواعد النحو والصرف التي كان والدنا رحمه الله يلقننا إياها..
الصغار، رغم أننا لم نكن قد التحقنا بالمدرسة الوطنية (سنلتحق بها في سبتمبر 1962)، ألحقونا بالتلامذة الجزائريين من سنِّنا وعمرنا.. أصغر أو أكبر.. وألبسونا لأوَّل مرَّة قمصانا بيضاء وسراويل قصيرة بلون أخضر وأعطونا ربقة حمراء حول العنق مثل الكشافة.. لباس بألوان العلم الوطني.. مع حذاء أزرق بلجيكي.. كنا نسميه “السبردينة دا البلج”. وراح المعلمون الجزائريون “يحرّبون” بنا، هكذا كان يقال عن مسيرة الأطفال في صفين مثنى مثنى: أحد اثنين.. أحد اثنين.. ثلاثة ربعة.. اسأم.. معتدل.. قف.. وهي نفس العبارات تقريبا المردَّدة اليوم في النظام المنظم في الجيش.. مع فرق بسيط: اسأم.. اليوم لا تُقال، وكانت تعني الضرب بالرجلين مرتين بقوة: أما كلمة “معتدل” (كنا ننطقها “معتدن”) فعُوِّضت اليوم بعبارة.. تراوح… أو مكانك تراوح.
كنا نغني، أو على الأقل نقلد من يحفظون الأناشيد الوطنية التي حفظناها في يومين أو ثلاثة.. قسمنا.. جزائرنا، من جبالنا.. إخوتي لا تنسوا شهداءكم.. إلخ.. والشعارات كانت: تحيا الجزائر.. تحيا بن بلة.. تحيا أنغولا يسقط البرتغال. طبعا، لم نكن نعرف معنى كلمة أنغولا ولا البرتغال.. كان البعض من الأطفال والتلاميذ من الخلف نردد دون فهم: تحيا الغولا.. يسقط البرتقال (ربما وصلنا إليها اليوم.. تغوَّل الكثير على الشعب والبرتقال صار أغلى من السكر المستورَد).
أتذكر أن آباءنا قد حدَّثونا عن الاستقلال ومزاياه وعن المستقبل الجميل الواعد.. لأننا رأينا فرنسا وهي تحرق وتُدمر ولو أننا كنا صغارا.. رأينا التدمير والفقر والتشريد ورأينا الدبابات تغادر قبيل يوم استقلال وتُفرغ الثكنة الكبيرة التي نُصِّبت في دارنا الكبيرة.. دار جدي موح المقدَّم بعدما طُردنا نحن إلى الشعاب البعيدة.
كما طلب منا ذوونا، وقد كانت الجبهة والمنظمون ليوم الاستقلال قد طلبت منهم ألا يحملوا أي سلاح.. أبيض كان أو أسود. أتذكر ذلك اليوم من الاستقلال أني وجدت سكينا كبيرة مطوية ومرمية بمقربة من زريبة، أخذتها فإذا بأبي ينهرني “ارم السكين.. ممنوع” فرميتها في نفس المكان.. وصرنا إلى المدرسة لكي نحتفل ونغني وننشد ونفرح لأول مرة.. لأول مرة فعلا وسط دموع النساء.. دموع اختلط الفرح بالقرح في أعينهن بذكريات شهداء لهن فُقِدوا وتذكّرهم اليوم الجميع.. لقد ضحوا بأنفسهم لأجل هذا اليوم، ولأجل باقي الأيام.. لأجيال ستأتي..
وها أنا اليوم أمام هذه الصور أعيد إحياء صور من ذلك اليوم: صور بعدما نُقشت في ذاكرتي وشمًا لا يندمل.

مقالات ذات صلة