الرأي

ضربني وبكى

“ضربني وبكى، سبقني واشتكى”.. هو مثل شعبي، يتداوله كل العرب، من الخليج إلى المحيط،  بلهجات مختلفة، ولكن بمعنى واحد، وهو مثل مأخوذ من مآثر الإسلام، عندما جاء رجل إلى رمز العدالة الإنسانية، عمر بن الخطاب، وقد فُقئت عينُه، يشتكي من ارتكب في حقه هذا الجرم، وقد أشفق الصحابة على هذا الرجل، وانتظروا ثورة خليفة المسلمين العادل، بالحكم لصالح هذا الرجل “الشاكي”، ولكن عدل عمر بن الخطاب دفعه لأن يقول لهم: “أنظروا لمن فقأ عينه، فقد يكون قد فقئت عيناه معا”، وسارت بعد ذلك القوانين الوضعية على نهج عدل الفاروق، فما صار الشاكي ولا الباكي، ينال طلبه، إلا بالعودة إلى المشتكى منه، إذ اتضح وجود الكثيرين من الذين “يضربون ويبكون”، ويتسابقون للشكوى، بل ولحّن هذا المثل الشعبي العربي الذائع الصيت، المغني المغربي المسمى “كبير حيلمي”، ونجح شعبيا، بأغنية “ضربني وبكى وسبقني واشتكى”.

هذه المقدمة، تلخص ما قامت وتقوم به الديبلوماسية المغربية، ليس خلال القمة العربية المنقضية فحسب، وإنما منذ سنوات عديدة، فهي تارة تتبختر بما تسميه “انتصارات الأرض” على جبهة البوليساريو، وتعتبر نصرها قد حسم وانتهى، وتارة أخرى تتباكى وتسارع الخطوات لتشتكي أمام باب البيت الأبيض أو الكنيست، لتشتكي ضربات البوليساريو ومؤيديها في بقاع المعمورة، ثم جاءت رحلة وزير الخارجية المغربية السيد بوريطة إلى الجزائر، لتترجم المثل الشعبي العربي، في حضرة العرب، حرفيا، عندما لعب ذلك الدور المسرحي البائس أمام أنظار العالم، فكان يتباكى للصحافة العالمية ويشتكي، ثم أنهى المشهد الأخير من مسرحيته بزعم دعوة الملك الغائب عن العرس الكبير الذي يتيح الفرص الكبيرة، أمام كبار العرب وضيوفهم الكبار، للرئيس الجزائري، لحضور “زردة” في الرباط.

ليت الأمر توقف عند قمة هرم السلطة المغربية، فهي معرّضة للتغيير بين الحين والآخر، بل تمكن المخزن من نقل هذه المهاترات إلى نفر كبير من المغاربة، فصارت بعض الخرجات على إيقاع “الزليج والحريرة وأخواتها” تثير الشفقة فعلا، على بلد كان يمكن أن نبني معه في المغرب العربي، إتحادا لا يقل فاعلية عن الاتحادات العالمية الكبرى، ولكنه يفضِّل الابتعاد كثيرا، من يوم إلى آخر، بل من لحظة إلى أخرى.

قسَّم المخزن الأدوار بطريقة فيها من الخبث أكثر من الذكاء، عندما ترك منصب وزير الخارجية لناصر بوريطة الذي يمكنه الكذب بسهولة على المواطنين بزعم الانتصارات الوهمية في مختلف القارات، كما حدث في كولومبيا وكينيا، وحتى في القمة العربية عندما قرأوا إعلان الجزائر بحسب فهمهم أو بحسب مغالطاتهم، ومنحوا منصب رئيس الحكومة للسيد عزيز أخنوش ليواجه تذمر المواطنين أمام الغلاء الفاحش في كل المواد الاستهلاكية من زيت وحليب وبيض ووقود، وانعدام مناصب الشغل، وانهيار جسور الثقة بين الحكومة والشعب، وحمّلوه وحده الأزمة، بعيدا عن مخزن يبكي ويشتكي مع المواطنين، ويفتخر بالمقابل بانتصارات وهمية تحققها الديبلومسية المغربية على المواقع من دون الواقع، ودائما على وزن المثل الشعبي العربي: “ضربني وبكى وسبقني واشتكى”.

مقالات ذات صلة