ضرورة البحث عن نقطة الانصهار…
نكادُ نغرق اليوم في تفاصيل الحياة السياسية، وفي نقاشات بيزنطية لا أول لها ولا آخر تتعلق بجميع المجالات والقطاعات.. نكاد نتحدث في كل شيء ونهتم بكل شيء إلا أهم شيء وهو كيف نَتَخطَّى هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها بلادنا.
المرحلة التي نمر بها الآن لا تتطلب مزيدا من الجدال أو حتى النقاش بشأن أي من القضايا، بقدر ما تتطلب وحدة في الموقف وفي العمل. نحن في حاجة إلى البحث عن الحد الأدنى الذي يجمعنا، الذي تنصهر فيه خلافاتنا، لننطلق نحو الفعل الحقيقي ونقف في جبهة متراصة أمام التهديدات والتحدِّيات المتزايدة يوميا التي تواجهنا.
ليس الآن وقت فتح ملفات جديدة أو قديمة، إنما هو وقت غلق جميع الملفات. كل ملف جديد نفتحه نهدر معه وقتا ثمينا أحيانا في جدل لا طائل من ورائه، ونُبدِّد طاقات كبيرة نحن في حاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.
وليس الوقت الآن أن يتشبث كل مِنَّا بموقفه ويُصر أنه الأصح، لأن ذلك يعني فتح ثغرات في جبهتنا الداخلية للمتربصين بنا عددها بعدد مواقفنا المُشَتَّتَة. إن الوقت اليوم هو للتحرر من هذه العقلية. لنعترف أنه ليس بيننا من يمتلك كل الحقيقة أو حتى بعضها، بل جميعنا في حاجة إلى البحث عنها ولو بعد حين… علينا تأكيد ذلك وتجاوز ما يمكن وصفه بعزة النفس المُفرِطَة، أو المُكابَرة والامتناع عن البحث عن تلك النقطة التي ينبغي أن تنصهر فيها الخلافات والتمسك بها… نقطة الخوف على مستقبلنا جميعا.
ينتابني بحق خوف جديد اليوم من المستقبل عندما أتابع المتغيرات الكثيرة السالبة التي لا تخدم صالح وطننا، بل هي تتقدم ببطء ولكن بطريقة مدروسة لتحقيق أهدافها. إنها متغيرات تتحرك بالداخل وبالخارج غربا وشرقا وجنوبا ومن وراء البحر، جميعها تعمل باستمرارية خبيثة من أجل تأزيم الوضع ببلادنا أكثر.
تخدمها بشكل كبير تلك الحالة التي يمر بها شبابنا الفاقد للبوصلة نتيجة انغلاق الأفق المستقبلي أمامه في كافة المجالات، ويخدمها شعورنا جميعنا بأننا نعيش حالات ضغط رهيب على جميع المستويات (المعيشية وآخرها ماء الشرب، العمل، التعليم، الصحة، السكن، العدالة… الخ)، وتخدمها تلك المشاهد السياسية الغامضة التي نراها كل يوم (الانتخابات، الوجوه السياسية، توزيع المسؤوليات)، ويخدمها هذا التشتت الذهني والسياسي والاجتماعي والنفسي الذي نَمُر به، ويزيد ذلك من قدرتها على إلحاق الضرر بنا في قادم الشهور والسنوات…
لذا فإنه ليس أمامنا اليوم من بديل لتخطي هذه الحالة سوى البحث عن إعطاء معنى حقيقي لِنُقطةٍ هامة واستراتيجية في مَعْلَمِ الأحداث والتفاعلات التي تمر بها بلادنا، نقطة تَنْصَهِرُ عندها خلافاتنا، وتسمح لنا بالشروع في العمل.
إننا في حاجة إلى هذه النقطة بإلحاح اليوم، للانطلاق وليس إلى أمر آخر. إن أي جدل سياسي أو ثقافي أو تاريخي أو قانوني إنما هو جدال معطِّل للمشروع الوطني، ويخدم مخطط التدمير المُمَنهَج القادم نحونا والذي يستهدفنا جميعا بكل اختلافاتنا وتنوعنا. إننا في حاجة إلى هذه النقطة لإيجاد موقف موحد للفعل والتحرك سريعا نحو المستقبل، وأثناء الحركة يتم تصحيح الفعل، والبت في النقاشات المختلفة أو حتى قبول جميع أنواع الجدال والهرطقات الفكرية التي تلهينا اليوم… الخ. أما البقاء في الحالة التي نحن عليها الآن، فلا يعني سوى مزيد من الخلافات ومزيد من التعطيل ومزيد من الخطوات للوراء إلى غاية السقوط في الفخ المُعَدِّ لنا وبإحكام هذه المرة… لذا نقول إذا لم يكن لدينا سيناريو مستقبلي مُحْكَمٌ (وهذا المطلوب)، يكفينا أن نتجنب أسوأ السيناريوهات، ليكون أحسن خيار استراتيجي نختاره مرحلي ليبقى مستقبلنا بأيدينا وليس بأيدي الآخرين.