الجزائر
شباب مدينة القل بين "الحرقة" والسجون

طبيب نفساني يبيع “الكتان” وعاملة نظافة بليسانس رياضيات

الشروق أونلاين
  • 3544
  • 10
ح م

بطالة وفراغ وضياع.. هذا هو الثلاثي الذي يحاصر الشباب بمدينة القل بولاية سكيكدة. مسؤولون أداروا وجوههم لهذه الفئة المهمشة، التي تشكل 70 بالمئة من المجتمع، ليصبح أغلبهم من ذوي السوابق العدلية، رغم أنهم يحملون شهادات جامعية لا يعترف بها أولو الأمر، والذين يوظفون على المقاس، دون معايير، عدا “الأقربون أولى بالمعروف”، أو أنك مسنود من أصحاب النفوذ.

صعوبة الأوضاع دفعت الشباب إلى انتهاج طريق لا توصل إلا إلى السجون من بيع وتعاطي المخدرات وشرب الخمور. “م. ن”، 27 سنة، جامعي، طعن شقيقه لأنه عيره ببطالته. “س. د”، 30 سنة، طبيب نفساني، يبيع القماش في الرحبة وسط المدينة، تقدم لعشرات المسابقات، لكن للأسف، في كل مرة يفوز بالمنصب واحد من أصحاب الوساطات. أما “س. و”، 29 سنة، ليسانس تاريخ، فأدين بستة أشهر حبسا بعد إلقاء القبض عليه وبحوزته كمية من المخدرات، لأنه لم يجد غير سبيل الحرام هذه لإعالة أسرته، وإن كان العذر غير مقبول.. فبيع السموم لا مسوغ له، مهما كانت حاجة الإنسان. 

ومن الحالات المماثلة، حالة “ع. ف”، 33 سنة، ليسانس أدب عربي، حكم عليه بـ 3 أشهر حبسا نافذا. فبعد عقد من البطالة، أصبح يتاجر في الخمور. “ن. و”، 36 سنة، حاملة شهادة ليسانس في الرياضيات، تعمل في النظافة. “ب. م”، 45 سنة، حامل ليسانس علوم، يعمل حارسا بمؤسسة تربوية… عينات عمن يملكون شهادات لا تشفع لهم في التوظيف، ليعملوا بنائين أو كناسين أو بحارة بعد إحباطات متكررة في الحصول على وظيفة تساوي 20 سنة من الدراسة والتعليم.

مقابل هذا، نجد فئة كبيرة من الشبب، باتت فريسة لبارونات “الحرقة” والتجذيف نحو الموت والدخول في مغامرات غير محسوبة بالحرقة، طلبا لحياة أفضل.. ومؤخرا فقط، سجلت مغامرة لـ 13شابا قرروا قبل 4 أشهر الفرار من جحيم البطالة والظلم الاجتماعي. وكان من بينهم 6 شباب جامعيين لتنتهي رحلتهم بشاطئ بني سعيد بعد أن أحبط حراس السواحل عملية هروبهم إلى جزيرة سردينيا بإيطاليا. آخرون سبقوهم وتحقق حلمهم ووصلوا إلى أوروبا سالمين. 9 حراقة أعمارهم ما بين 17 و35 كانت إيطاليا وجهتهم إلا أن الرياح كانت عاتية ما جعل القارب ينحرف عن مساره ليضطروا وتجنبا للغرق إلى إلقاء أمتعتهم في البحر واحتفظوا بالماء والطعام ولتزيد الأمور سوءا حدث عطل في المحرك ليبقوا وسط البحر يواجهون ولمدة 3 أيام مصيرا مجهولا.. وظنوا أنهم سيكونون طعاما للأسماك، ليأتي الفرج وأنقذتهم باخرة فيليبينية لنقل البضائع رست بأحد الموانئ الإسبانية. “ت. ب”، 34 سنة، تمكن قبل شهرين من الوصول إلى إسبانيا رفقة 8 حراقة آخرين، إلا أن الشرطة قبضت عليه ورحلته إلى الجزائر، وبمجرد عودته إلى القل انتابته حالة هستيرية.. قام بالاعتداء على مصطافين بشاطئ عين الدولة، وقضت المحكمة منذ أسبوع بإدانته رفقة 4 شباب آخرين بعام حبسا نافذا.

 

لا أمكنة شاغرة بالمقاهي 

بلدية القل، عجز القائمون عليها عن توفير أبسط أماكن الترفيه.. لا ملاعب ولا مكتبات لا حدائق عمومية.. حتى التي كانت موجودة كانت عرضة للخراب. وهو فراغ أدى إلى ارتفاع معدل الجريمة في مدينة كانت قبل سنوات رمزا للأمان ومواطنوها معروفون بالطيبة، مسالمون بطبعهم، لكن حاليا لا يمر يوم إلا وتقع حادثة إجرامية، من قتل أو سرقة أو شجارات بالسلاح الأبيض، بطلها شباب بطالون. ألم يقل المثل: الفراغ باب تختبئ وراءه الجرائم. 

ولا تستغرب إذا دخلت القل ولا تجد كرسيا شاغرا بمقهى وأن الجالسين ممن لا تتعدى أعمارهم 30 سنة، لأنهم شباب شابوا قبل الأوان، حظهم التعس جعلهم يولدون في بلدية أولو الأمر بها، ومنذ جلوسهم على الكراسي لا همّ لهم إلا تحقيق مصالحهم الشخصية ليعيدوا القل إلى الوراء آلاف السنين وحولوها إلى مقبرة وساكنيها إلى أموات، حتى الهبات الطبيعية التي وهبها الله لهذه البلدية تم تخريبها كما أغلقت 7 مصانع أبوابها وغابت التنمية لتتحول المدينة التي كانت تستقطب مليونا ونصف مليون سائح في سنوات السبعينيات إلى مدينة للأشباح ومقبرة سكانها من الأحياء.

مقالات ذات صلة