الرأي

طبيعة معاداة الطبيعة

عمار يزلي
  • 49
  • 0
ح.م
تعبيرية

من طبيعة الإنسان، أن يُخضع الطبيعة لحاجاته الحياتية الإنسانية، التي تسمى التسخير: تسخير الطبيعة من أجل حياة الإنسان، على اعتبار أنه الكائن الأذكى والأعقل افتراضيا، المهيأ نشأة وتصميما وتكليفا بالتطور والارتقاء من “الحيوانية” إلى البشرية فالإنسانية، وهي كلها محطات على الإنسان أن يجتازها من أجل الوصول إلى الكمال المفترض.

لهذا، فهو مكلف بالحرص على التطور والارتقاء ضمن محيطه الطبيعي المادي والحيواني والبشري عبر سلوك الإنسان لا السلوك الحيواني الذي تتحكم فيه الغرائز والعواطف، لا العقل ولا منطق التفكير.
غير أن الإنسان، عبر مسار تطوره، لم يكن من السهل عليه أن يرتقي خلال هذه النشأة على نحو متساو ومحدد ومضبوط ومنضبط، فغالبا ما كانت شهوات الغريزة والعاطفة تسيطر عليه ويملي القلب على العقل وظيفته ويلغيها أحيانا، فكانت الجرائم وكانت الحروب وكان الاقتتال، وكانت جرائم التملك والاستحواذ على الطبيعة، أرضا وكائنات، لحاجة في نفس الإنسان التي لا تشبع.
غير أن معاداة الطبيعة، كما هي نزعة لنمط سلوكي لدى بعض الناس في كل مكان وزمان، هي أيضا تربية وتنشئة ومصالح أنانية: الإنسان. لقد اكتفى الإنسان في البداية بتطويع الطبيعة وذلَّل الحيوانات، وروّضها لضمان أمنه وعيشه، ولم يتعدَّ على الطبيعة، ولم يُشعل الحرائق ولم يدمر “رئة” الناس والساكنة في غابات الأمازون وأدغال إفريقيا وباقي غابات العالم. الإنسان “المعاصر”، المتمادي في المادية وجبروت وطغيان المادة والنزعة نحو الربح والاستقواء على الآخرين بقوة القوة، هو من دمَّر الطبيعة وأفسد التوازن البيئي، وأنتج الاحتباس الحراري، ولوَّث الجو والبحر والبر، وأفسد قوانين الانسجام والتناغم الطبيعي بتدخله في رسم قوانين الدورات البيئية عبر هذا التصريح الإلهي: “ظهر الفسادُ في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس” (الروم/ 41).
الإنسان، وهو يمشي على خطى الارتقاء، لم يكن دائما يخطو خطوات متوازنة في هذا الاتجاه، فالنكوصُ والتقهقر كان ملازما لسيرورة النشوء والتنشئة والتطور، فكما في كل زمان ومكان، نجد الأتقياء والأصفياء، والأولياء والأناس العاديين، نجد أيضا أراذل الناس وسفهاءهم وأدناهم مرتبة التدرّج والارتقاء، وغالبا ما يكون هؤلاء “السفلة” هم الأغلبية وأحيانا هم “الغالبون”. هكذا، كانت الغرائز الحيوانية ولا تزال إلى اليوم تتحكم في العقول وتقود العقول بقوة القوة الغاشمة، كما يحدث عبر الدفع نحو الاقتتال وحروب الإبادة والتقتيل والاستيلاء على الأرض وتدمير المدن وحرق الطبيعة وتلويث الجو عبر الإشعاعات والمواد السامة.
هذا على المستويات “العليا”، عندما تتغلب البهيمية الشهوانية على العقلانية والأخلاق الإنسانية وتقودها نحو حتفها، أما على المستويات الدنيا، فلا يكاد الأمر يتغير شيئا: نفس البهيمية المتعطشة لإشباع رغبات النفس تنشط ضمن دوائر فردية وجماعية متلبسة بأقنعة مختلفة إما إيديولوجية عقدية دفاعية أو عرقية مقيتة هجومية، أو دوافع إجرامية سياسية نشطة، نفعية أو انتقامية في شكل تصفية حسابات شخصية أو خدمة لمصالح معينة مقابل مصالح مادية وضيعة: هكذا، تنجح أفعال هذه المجاميع الإجرامية وممارساتها أحيانا في الإخلال بالأمن، وهو الهدف المنشود لها ولمن يسيّرونها ويموّلونها، سواء أكان ذلك داخل النسيج الاجتماعي والعمراني، عبر جرائم الترويع والخطف والقتل والتهديد والسرقة، أم داخل الوسط البيئي، كحرق الممتلكات والغابات، بما تضم من حيوانات وغطاء نباتي وأشجار معمِّرة ومثمِرة وساكنة بحيوانهم ودوابِّهم. قد يكون العمل الإجرامي ضد الطبيعة من هذا القبيل: إجرامية النفوس المحبَطة اللئيمة، وقد يكون بسبب التسيُّب وعدم الاكتراث بمصير عدم احترام قواعد أمن المحيط وسلامته، وفي كلا الحالتين، هو التدني الحيواني في التعامل مع محيط إنساني.

مقالات ذات صلة