طنين الذباب و”النش”
في سنة 2009، عندما حادت بعض الفضائيات المصرية عن مسارها الإعلامي النزيه، وراحت تقرع طبول حرب إعلامية على الجزائر، على خلفية مباراة كرة بتوابل سياسية، أطلّ المفكر الراحل محمد عمارة وهو في حالة من الضجر، ووصف ما يحدث بالمهزلة، ونبّه هذه الفضائيات إلى أنها بصدد الإساءة لتاريخ مصر، وتحويل حاضرها، إلى مسخرة إن واصلت “الحرب” في ساحة من دون خصم ولا سبب واضح لهذه الحرب. ولم تمر سوى أيام قليلة، حتى سئم الناس، في كل الدول العربية من هذا الضياع، وسئمه حتى المصريين أنفسهم، فانقلب السحر على الساحر، وصار مجرد ذكر تلك الأيام الخوالي يثير الندم الشديد لدى الذين كانوا يحملون الطبول ليل نهار.
لكن ما حدث في المغرب قبل مباراة سهرة السبت الماضي ضمن ربع نهائي كأس العرب في قطر، من طنين الذباب الإلكتروني، هوى بالمستوى والذوق العام، إلى الحضيض، حتى صرنا نحتار كيف لتلك الوجوه المغربية الوقحة أن تستطيع مشاهدة نفسها في المرآة أو معاودة الاستماع إلى ما تقذفه من جوفها، ولا تنتحر ندما، بل وكيف للذي يستخدمها أن لا يستفيق من غفلته ويدرك بأنه بصدد الإساءة لبلد المغرب الأقصى وليس لغيره، إلى درجة أن “رابطة ذباب” تبادلت في ما بينها شعارا يقول إن كرامة المغاربة بين أقدام لاعبي منتخبهم، وأيّ خسارة هي “خيانة للوطن ولله وللملك”، في أبشع سلوك إنساني.
لا أدري إن كان المحرّكون لهذا الذباب، يعلمون بأنهم قد شوّهوا صورة المغرب بطريقة لم يسبق لها مثيل، وبأنهم يختارون رجالا ونساء لا يمتلكون من “الكاريزما” قطرة واحدة، ولا يتقنون لا فن الخطابة ولا القدرة على الإقناع ولا ثقافة، وظهروا بصورة مقززة قالبا وقلبا، خلال الساعات التي سبقت مباراة دور ربع النهائي بين الجزائر والمغرب، عندما راحوا يُقحمون الشعب المغربي في تفاهاتهم، ويمنحونهم الميكروفون، وكلما قال مواطنٌ مغربي بريء بأن منتخب بلاده سيفوز على الجزائر بثنائية نظيفة، يثورون في وجهه ويطلبون منه رقما لا يقل عن رباعية، ويجبرونه على استعمال كلمات قبيحة مثل “نسحقهم ونُذلهم ونُركعهم ونمسح بهم الأرض”، قبل أن يسدلوا الستار نهائيا على مسرحيتهم القذرة، بعد نهاية المباراة عندما خسر المغاربة بسبب هذا الضغط الرهيب والحقير الذي قاده هذا الذباب الذي كان طنينه أحقر من أي حشرة تدبّ على الأرض، تركوا المغاربة تائهين، بين من أحسّ بأن كرامته قد اهتزت بقذيفة يوسف بلايلي، وبين من راح يشكك في وطنية لاعبيه ومدرِّب المنتخب المغربي، بعد أن وزنها بمعادلة الذباب المغربي الذي يبدو أنه لا يمتلك في جوفه غير “الغبرة” البيضاء، التي تجعله يتقيأ في الصحن الذي سيتناول فيه طعامه.
يقول المثل الإسباني الذي يحفظه أبناء المغرب في سبتة ومليلة وطنجة والرباط، بأن الذباب لا يمكنه أن يدخل فما مغلقا، وواضح بأن أي فم مغربي فتح فاه لسبّ جيرانه أو محاولة النيل من معنوياتهم، قد نال نصيبه من وسخ الذباب.