الرأي

طوفانُ الأقصى والحاجة إلى العصيان المعرفي

د. حسين بوبيدي
  • 440
  • 0

لا يفهم “طوفانَ الأقصى” من ينظر إليه على أنه حدثٌ عسكري فقط، ولا يستوعب تداعياته من اكتفى بقراءته كمحطة في تاريخ الصراع بين الفلسطينيين والاستعمار الاستيطاني الصهيوني، لأن الطوفان كان لحظة كاشفة لانهيارات عميقة وغير مسبوقة في البنية الأخلاقية والسياسية والمعرفية لعالمنا المعاصر، فقد أعاد هذا الحدث المزلزل تشكيل الوعي الإنساني، وفتح شقوقا عميقة في جدار السّردية الغربية التي تألَّهت على البشرية وقدَّمت نفسها الناطق باسم العقل لقرون.

إن الإجرام الوحشي الذي تعرّضت له غزة طيلة عامين كاملين لم يكشف العدوَّ الصهيوني فقط، بل كشف معه وحشية العقل الغربي ذاته، والدم المسفوك في غزة كان أيضا دم المعرفة المأسورة داخل أقفاص الهيمنة، فقد تكشّفت الأقنعة التي غطت على حقيقة الحداثة المتنوِّرة والقيم الإنسانية والعقل الكوني المزعوم، وهكذا تصاعد من ركام البيوت المحترقة بالقنابل الأمريكية دخانٌ كثيف كشف عري الابستمولوجيا الغربية، لترتجف الأرض تحت أقدامها.

وهمُ العقل الكوني:

كشف “طوفان الأقصى” عن الوهم الذي صدَّره الغرب للعالم أنه الوحيد المؤهَّل لبناء منظومة معرفية تحدد الفرق بين الأنوار والظلمات، وتصنِّف الشعوب إلى متقدمة ومتخلفة، حداثية وقرو وسطية، وقياس إنسانيتها حسب نسبة تمثُّلها للمفاهيم والقيم الغربية وإيمانها بأنبياء الغرب من ديكارت وكانط إلى فوكو  وهابرماس. لقد كان “طوفان الأقصى” حدثا ابستيمولوجيا بامتياز؛ انتهت به أسطورة الحياد والكونية والذات الغربية “الشفافة” التي تستند إلى الموضوعية وحدها، وليس إلى نزعات دوغمائية تصم بها غيرها، واتضح أن هذه المنظومة المعرفية لا تعدو كونها بنية سلطوية عنصرية تُنتج وتعيد إنتاج المركزية والهيمنة الغربية، بما يصدق ما سماه عالم الاجتماع البيروفي أنيبال كيخانو: الاستعمارية المعرفية.

إن هذه البنية المعرفية لم تُنتج أدوات السيطرة العسكرية والهيمنة السياسية والاقتصادية فحسب، بل إنها شكّلت خرائط الوعي وجغرافية المعرفة؛ فالغرب وفق هذه الرؤية مركز العقل بينما يقع بقية “الأمميين” في الهامش حيث الغرابة والتخلف، ولا يمكنهم دخول عوالم الحضارة إلا بالانخراط في مسار تحديثي يقلّد مسار أوروبا ويطابقه، ويتنازل عن خصوصياته وعناصر هويته، وفي هذا المعنى كتب فرانز فانون كاشفا فاضحا: “سيكون الأسود في جزر الأنتيل أكثر بياضا؛ أي سيقترب أكثر من الإنسان الحقيقي، بقدر إتقانه للغة الفرنسية”، وهذه العقدة التي يعرّيها فانون تبيّن كيف أن الدونية قد سكنت “الآخر” المفتون بالإنسان الأبيض ومنعته أن يكتشف ذاته، بل أجبرته أن يتنكر لها ليغدو إنسانا كاملا!

إن مجازر الكيان الصهيوني في غزة، بما فيها من قتل للأطفال على الهواء، وهدم المنازل على رؤوس السكان بترسانة تسليحية قادمة من عوالم “الحضارة” المزعومة التي تبرر المجازر وتمنحها الحق في التقتيل تحت شعار: حق الدفاع عن النفس، قد أدت إلى تصدع تلك البنية في وعي الكثير من المتأثرين بها، وأجبرتهم على وضعها موضع الشك والنقد ثم الرفض والإدانة، فلم يعد ممكنا بعد “طوفان الأقصى” الحديث عن عقل كوني أو قيم إنسانية، وقد كتبت الباحثة التونسية أم الزين بن شيخة المسكيني في تقديمها لكتاب: “الفكر الديوكولونيالي” نصا قويا تقول فيه: “إن مواصلتنا الانتماء معرفيا وجماليا وأنطولوجيا إلى ابستيمولوجيا الغرب بعد طوفان الأقصى، إنما نعتبره ضربا من الخزي الأكاديمي الذي ينبغي لنا العمل على التحرُّر منه. ونقصد بذلك أنه قد آن الأوان في خضمّ هذه المجازر التي ترتكبها الصهيونية بدعم من أمريكا ومن الغرب أن نعيد ترتيب علاقتنا بالسردية الغربية حولنا بصفتها سردية استعمارية بامتياز، وذلك لأنها لا تزال تعتقد أن الغرب هو مصدر الحقيقة الوحيد، ومقياس الجمال والإبداع، والمسؤول عن الديمقراطية وحقوق الإنسان”. وهكذا ستغدو الحرب نموذجاً لما سمّاه فرانز فانون: “التخلص من الاغتراب” الذي زرعته القوى الاستعمارية في نفوس الشعوب المستعمَرة، هذا الاغتراب المعرفي الذي جعلنا نفكّر في ذواتنا نسبة إلى الغرب نشاهده اليوم يتحكَّم تحت وطأة “طوفان الأقص”ى وتداعياته الكونية.

انهيارٌ معرفي

إن ما كان يقدَّم على أنه منجَزُ علم الاجتماع الغربي أو الفلسفة الأخلاقية الكانطية أو الفكر السياسي الحديث صار منظورا إليه من خلال العنف الصهيوني، وليس التنظير المخاتِل، وانتبه الناس أن ما يحدث ليس مجرد انحراف عن الحداثة وقيمها، بل هو تجلّ لجوهرها العنيف، وهو ما أشبعه وائل حلاق تحليلا في كتابه “قصور الاستشراق”، عندما عالج العنف البنيوي للحداثة التي برهن على أنها بنت نفسها على الإقصاء والإبادة والهيمنة بوصفها شروطا ضرورية لتشكُّلها.

لقد صدم الذين لم يتوقعوا من عقل الأنوار هذا التواطؤ عندما شاهدوا الحداثة تتكشّف عن جهاز  إقصاء صارم، يقوم على بنية عميقة ترى في الذي لا يشبه الإنسان الغربي أن إنسانيته لم تكتمل بعد، وانتبهوا إلى أن المعايير التي طالما قدِّمت على أنها معيارية متعالية ليست سوى جهاز ضبط استعماري يمارس عنفا ناعما، فالخير ينبغي أن لا ينتهي إلا إلى مصلحة للعالم الغربي، والشرُّ ليس سوى الإضرار  بهذا العالم المتميز على بقية البشرية، ولذلك صمِّمت المناهج والمفاهيم وأطر التفكير لتنتج هذه النتيجة دون غيرها.

إن هذا العالم الذي يتداعى لفرض عقوبات لأجل الإخلال بحقوق الإنسان كما يراها، هو ذاته التي يمول ويسلِّح ويتبرع ويستعمل حق الفيتو ويعاقب على التعاطف مع الفلسطينيين وإدانة الجريمة؛ فالاحتلال والسجن والتهجير  والتعذيب والحصار  والتجويع والإبادة يصبح منظورا إليها كـ”حق” صهيوني أصيل، بينما تصبح المقاومة ورد العدوان والدفاع عن النفس إرهابا وعنفا بربريا! هذه الازدواجية تُظهر أن “حقوق الإنسان” في الخطاب الغربي ليست سوى أداة سياسية تُستخدم انتقائيا لخدمة مصالح الأقوياء.

الإجرام الوحشي الذي تعرّضت له غزة طيلة عامين كاملين لم يكشف العدوَّ الصهيوني فقط، بل كشف معه وحشية العقل الغربي ذاته، والدم المسفوك في غزة كان أيضا دم المعرفة المأسورة داخل أقفاص الهيمنة، فقد تكشّفت الأقنعة التي غطت على حقيقة الحداثة المتنوِّرة والقيم الإنسانية والعقل الكوني المزعوم، وهكذا تصاعد من ركام البيوت المحترقة بالقنابل الأمريكية دخانٌ كثيف كشف عري الابستمولوجيا الغربية، لترتجف الأرض تحت أقدامها.

لقد تعاطى الغرب مع أسرى الكيان الصهيوني، وهم جنود ومستوطنون محتلون على أنهم ضحايا، واستجلب صورهم وحيواتهم ليجعل لهم رمزية يمارس بها الحشد وتبرير دعمه للعدوان، بينما يرى الضحايا الفلسطينيين مجرد أرقام دون أي مضامين إنسانية، أرقام دون صور وأهل وعلاقات ومسارات حياتية اجتماعية وعلمية وعمليّة، لقد جرت التغطية على معاناتهم في الإعلام المصادَر  والموجَّه، ليجعل من أوعيته الانتخابية دون عواطف أو إحساس بالجرح العميق، لكن كاميرات وسائل التواصل فضحت السردية الأسطورية الممتدة من زمن اختراع شعب واختراع أرض إلى إخفاء جريمة مروِّعة.

لا يتحرك هذا العقل الإبادي؛ لأنه لا يرى “الإنسان” في غزة بل مجرد ذوات “ما قبل إنسانية”، ولعلّ الصور تذكِّره بما فعل أجداده بالسكان الأصليين في أمريكا وأستراليا ونيوزلندا وغيرها من مواطن إجرامه العابر  للزمان والمكان، لكن خرافاته الزائفة تكشّفت حتى لبعض أبناء جلدته من الذين عجزوا عن الاستمرار  في تصديق الدعاية بعد افتضاحها، فأعلنوا تضامنهم مع الضحايا وتنديدهم بالمجرمين، وهو انقلابٌ ينبغي لأصحاب الحق استثمارُه لكسر البنية العميقة لعقل الغرب العنصري.

الحاجة إلى العصيان المعرفي

في مواجهة هذا الانكشاف الذي أدركه العقلاء في مراحل مختلفة، تبرز الحاجة إلى ما يسميه المفكر الأرجنتيني والتر مينولو  “العصيان المعرفي”، أي رفض الانصياع إلى قواعد إنتاج المعرفة التي صاغها المركزُ الغربي، والتخلص من تبعات الاعتراف السابق بها ومجاراتها، والانطلاق من الذات بوصفها موقعا لإنتاج معرفة مغايرة، وهذا انطلاقا من تحيز المعرفة الغربية وارتدادات ذلك على وهم التفرُّد في إدراك العالم وفهمه وفق المناهج الغربية، وبذلك تستعيد الذوات الإنسانية بمختلف لغاتها وثقافاتها الحقَّ في التفكير من موقعها الخاص، وفق أسئلتها لا أسئلة غيرها، وهذا ما يسمح بإعادة بناء علاقة مغايرة مع الغرب على مستوى الفكر، إذ يجري تجاوز موقع التابع مقابل المهيمن، نحو موقع النقد الإبستمولوجي.

إن التبعية المعرفية أخطر من التبعية السياسية، لأنها تُنتج استلابًا داخليًّا يجعلنا نعيد إنتاج خطاب الهيمنة بأدواتنا نحن، وما يطلبه “طوفان الأقصى” منَّا هو قطيعة ليس مجرد استنكار أخلاقي، بل تجاوز لعقدة النقص المعرفي. وهنا نستحضر غاياتري سبيفاك في سؤالها: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ وحميد دباشي في استفساره: هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟ لنستفيد من أثر “طوفان الأقصى” الذي ألغى الصمت القسري للعالم العربي الذي طال عهدُه بالصمت، وتمدّد تفكير نخبته داخل سياج دوغمائي غربي مغلق، فبقي موضوعا لا فاعلا، يستورد الأسئلة والأجوبة معا، ويعجز عن النظر  إلى ذاته بذاته بعد أن اقتنع بالتوصيفات التي أطلقها عليه العقلُ الغربي ومن كتبوا من داخله بلغته. وما دام الفلسطيني قد استعاد صوته، فيمكن من خلاله أن تستعاد الذات العربية والإسلامية من غياهب التمثيل الاستشراقي وتابعيه، وهنا لا بدَّ من التأكيد على التحرر اللغوي الذي يمكّننا من بناء مفاهيمنا الخاصة، لأن اللغة الغربية لا تنقل المفاهيم فحسب، بل تفرض منطقها في الفهم، وهذه العودة إلى لغات الهوية الإسلامية (العربية، الأمازيغية، التركية، الكردية، وغيرها…) هي ما يسمح بإنضاج رؤيتنا للعالم من داخل ذواتنا، والتحرر من تأطير المعرفة غربيا، ولذلك أصر المفكر الغيني نغوغي واثيونغو على أن اللغة هي ساحة الصراع الأولى ضد الاستعمار؛ فهي ليست وسيلة للتعبير فحسب، بل حاملة لعالم كامل من التصنيفات والقيم.

التاريخ أداةٌ للتحرر

في هذا السياق، نستدعي صرخة محمد الشريف ساحلي بضرورة تحرير التاريخ من الاستعمار، لأن كتابة التاريخ جزء أساسي في معركة التحرر المعرفي، وقد كان التاريخ الغربي أكثر الحقول التي مارس فيها الاستعمار سلطته الرمزية؛ إذ أعاد صياغة ذاكرة الشعوب، محوِّلا ضحاياه إلى “قبائل” وأبطاله إلى “مكتشفين”. وهنا تكتسب مدرسة التاريخ البديل ودراسات التابع أهميتها، إذ تسعى إلى إعادة كتابة التاريخ من موقع المقموع، وفي ضوء هذا المنظور، يغدو “طوفان الأقصى” لحظة لإعادة سرد الوقائع؛ لا بوصفها مواجهة عسكرية، بل كفعل مقاومة رمزية ضد تاريخ استعماري طويل سعى إلى محو الفلسطيني والعربي والإسلامي من خريطة الفاعلية. ليغدو التاريخ كشفا للحقيقة كما وقعت وفضحا للسرديات الاستعمارية الوظيفية في سيَّاق مشاريع الإبادة والاستبدال الديموغرافي والثقافي.

من المهم هنا استدعاء وائل حلاق الذي أشار  إلى أن “التاريخ ودراسته يشكِّلان جزءا لا يتجزأ من مكوِّنات الهوية التي تقرِّر مفاهيم المجتمع وتصرفاته تجاه الآخر (أي المجتمعات الأخرى)، ومن السذاجة بمكان أن نقبل من دون مساءلة وتشكّك ما يقوله مجتمعٌ ما، سواء كان على سبيل الرواية التاريخية أو بأي طريقة أخرى توصف بأنها علمية، فليس لأي علم من العلوم الاجتماعية والإنسانية ميزة تعصمه من الانحياز، ولذا يجب أن نوضِّح فرقا تحليليا ومفهوميا بين الهدف وما أصطُلح على تسميته “المهدوف”، ففي حين أن لكل علم هدفا معلنا (وهدف علم التاريخ المعلن هو كشف النقاب عمّا مضى)، فهناك مهدوفات أخرى غير معلنة، ليست بالضرورة نتيجة أي مؤامرات يحيكها منتِج الرواية التاريخية (أكان هو المؤرِّخ نفسه أو مجتمعه الذي انبثق منه)؛ بل نتيجة للعلاقة المعرفية التي تقوم بين ذلك النوع من الإنتاج التاريخي والمؤرَّخ له، أو قل بين الفاعل الإنساني والمفعول به المعرفي، أو بين العامل والمعمول عليه، فكل إنتاج معرفي للعامل أو الفاعل له إفرازاتٌ معرفية متواشجة في عالم المعمول عليه والمفعول به”.

إن “طوفان الأقصى” بما كشفه من زيف الحداثة الغربية، يضعنا أمام خيارين: إمّا أن نستمرَّ في التبعية الفكرية، ونستنكر الجرائم بلسان من صنع منظومتها، أو أن نعيد ابتكار مفاهيمنا الخاصة، فنبني وعيًا ينتمي إلينا لا إليهم. لأن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الوعي، والتحرر المعرفي هو أول أشكال المقاومة، فما لم نحرّر مفاهيمنا، سيبقى وعينا رهينة خطاب يبرِّر موتنا باسم الإنسانية.

هذا العالم الذي يتداعى لفرض عقوبات لأجل الإخلال بحقوق الإنسان كما يراها، هو ذاته التي يمول ويسلِّح ويتبرع ويستعمل حق الفيتو ويعاقب على التعاطف مع الفلسطينيين وإدانة الجريمة؛ فالاحتلال والسجن والتهجير  والتعذيب والحصار  والتجويع والإبادة يصبح منظورا إليها كـ”حق” صهيوني أصيل، بينما تصبح المقاومة ورد العدوان والدفاع عن النفس إرهابا وعنفا بربريا!

هل يحررنا “طوفان الأقصى” معرفيًّا؟ نعم، إذا أدركنا أنه ليس مجرد مأساة، بل لحظة كشف وولادة جديدة للوعي؛ فالمعرفة التي لا تمرُّ عبر الألم تبقى سطحية، أما تلك التي تخرج من تحت الركام، فهي وحدها القادرة على بناء عالم جديد. الطوفان إذن لا يدعونا إلى البكاء، بل إلى التفكير من جديد؛ إلى استعادة حقنا في أن نعرف العالم بأدواتنا نحن، وأن نُسائل الحداثة من موقع المقهور لا التابع. الطوفان أن نحسن الإصغاء إلى منطقه العميق، ونساهم بفعالية في الإجابة عن هذا السؤال الجوهري الملحّ: كيف نكتب ذواتنا بعد أن انهار  مركز العالم القديم؟ كيف نكتب ذواتنا متخلّصين من وهم الخوف من ثقافتنا الأصيلة؟ كيف نكتب ذواتنا متحررين من قرون الاستعمار  وما ورثه داخل منظومتنا الفكرية تحت ادِّعاء: الحداثة والتنوير؟

مقالات ذات صلة