العالم
مقاومة صامدة طيلة 730 يومًا... والكيان الصهيوني ينكشف أمام عالم ينهار أخلاقيًا

“طوفان الأقصى”… إحياء القضيّة!

عبد السلام سكية
  • 2571
  • 0

مرّ عامان على اندلاع “طوفان الأقصى”، العملية التي قلبت موازين المنطقة وأخرجت القضية الفلسطينية من جمودٍ دام عقودًا، لتعيدها إلى مركز الاهتمام الدولي بكل ما تحملها من رمزيةٍ وتاريخٍ وألمٍ. لم يكن السابع من أكتوبر 2023 مجرّد يومٍ في تقويم الصراع، بل لحظة فاصلة كسرت ثقة دولة الاحتلال بنفسها، وفضحت هشاشة «المنظومة الأمنية» التي لطالما قدّمتها كأنموذجٍ لا يُخترق.

الشرارة والسياق

جاءت العملية في لحظة سياسية معقّدة: حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة بزعامة نتنياهو، تمزّقها الخلافات الداخلية، وتشهد احتجاجاتٍ غير مسبوقة ضدّ مشروع «إصلاح القضاء» الذي اعتُبر انقلابًا على الديمقراطية الشكلية داخل دولة الاحتلال نفسها.

في المقابل، كان قطاع غزّة يرزح تحت حصارٍ خانقٍ منذ أكثر من 17 عامًا، فيما كانت الضفة الغربية تشهد تصاعدًا في الاعتداءات الاستيطانية وعمليات القتل اليومية التي لم تترك مجالًا لأي أفقٍ سياسيّ، وبينهما قطار تطبيع يسير بسرعة قصية وأنظمة عربية تنظر ركوبه.

داخل هذا المشهد المسدود، جاء طوفان الأقصى ليعيد تعريف مفهوم القوة والردع. لقد شكّل، في جانبٍ منه، انفجارًا متراكمًا لعقودٍ من القهر والخذلان الدولي والعربي، وفي جانبٍ آخر صدمة استراتيجية لدولة الاحتلال التي وجدت نفسها في مواجهة غير مسبوقة مع واقعٍ كانت تظنّ أنها تجاوزته منذ حروبها الكلاسيكية الأولى.

حرب إبادة تحت أعين العالم

منذ اليوم الأول، ردّت دولة الاحتلال بعنفٍ غير محدود مستند في ذلك لدعم غربي على رأسه الإدارة الأمريكية لارتكاب المجازر في حق المدنيين العزل أطفال ونساء وشيوخ، ليتجاوز عددا الشهداء 60 ألف، دون إغفال عدد المفقودين، وآلاف المصابين الذين لا يتلقون العلاج.

الصور الخارجة من غزة نقلت للعالم مشاهد من الجحيم: مستشفيات بلا كهرباء، أطفال يُنتشلون من تحت الأنقاض، وجثث مكدّسة في الشوارع.

لكن، وللمفارقة، لم تفضِ هذه الوحشية إلى ما أرادته دولة الاحتلال، لم تستسلم غزة، ولم يُكسر روح الفلسطينيين، بل على العكس، أصبح الصمود ذاته شكلاً من أشكال المقاومة اليومية. ورغم تفوّق إسرائيل العسكري المطلق، لم تتمكّن من تحقيق أهدافها المعلنة: لا القضاء على حماس، ولا تحرير الأسرى، ولا إعادة «هيبة الردع».

انكشاف الأخلاق الدولية

كان طوفان الأقصى اختبارًا قاسيًا لمفاهيم «النظام الدولي» و«العدالة» و«حقوق الإنسان».

في البداية، ساندت القوى الغربية دولة الاحتلال بلا تحفظ، وقدّمت لها الدعم العسكري والسياسي، وغضّت الطرف عن قصف المدارس والمستشفيات، لكن مع تزايد صور الدمار والجثث، بدأت موجة الرأي العام العالمي تنقلب.

خرجت مظاهرات ضخمة في العواصم الغربية، من نيويورك إلى لندن وبرلين وباريس، تندّد بـ«الإبادة الجارية في غزة».

تزايدت الانتقادات داخل البرلمانات، وارتفعت أصوات المثقفين والفنانين الذين كسروا حاجز الصمت.

كما صدرت عن محكمة العدل الدولية قرارات مؤقتة تحذّر الاحتلال من ارتكاب جرائم إبادة، بينما فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقًا في جرائم الحرب في غزة، رغم الضغط الأمريكي والصهيوني لإفشاله.

أمّا الأمم المتحدة، فوجدت نفسها أمام انقسامٍ أخلاقيٍّ عميق: قرارات تُعطَّل بفيتو أمريكي متكرّر، مقابل موقفٍ أكثر استقلالية من الجمعية العامة، التي صوّتت مرارًا لصالح وقف إطلاق النار وإنهاء الحصار.

عزلة الصهاينة المتزايدة

في العام الثاني بعد الطوفان، بدأت مؤشرات العزلة الدولية للكيان الصهيوني تتكرّس.

أوقفت بعض الدول اللاتينية (مثل بوليفيا وتشيلي وكولومبيا) علاقاتها الدبلوماسية أو جمدت اتفاقاتها العسكرية مع تل أبيب.

تراجعت صورة دولة الاحتلال وسرديتها في الرأي العام الغربي بشكل غير مسبوق، وفق استطلاعات الرأي، حيث انخفضت نسبة التعاطف الشعبي معها إلى أدنى مستوياتها منذ التسعينيات.

حتى في الولايات المتحدة، شهدت الجامعات الكبرى حراكًا طلابيًا غير مسبوق، رفع شعارات تُدين الاحتلال وتدعو إلى مقاطعة الشركات الداعمة له.

اقتصاديًا، بدأت حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS) تحقق تأثيرًا ملموسًا في بعض القطاعات التقنية والثقافية.

أما في أوروبا، فظهر تصدّع واضح بين الحكومات الملتزمة بالدعم غير المشروط للصهاينة وبين مجتمعاتها التي لم تعد تتقبّل استمرار هذه المأساة.

الانقسام داخل الكيان الصهيوني

في الداخل الصهيوني، كان أثر طوفان الأقصى أشبه بزلزال، فشل أجهزة الاستخبارات في توقع الهجوم أطلق عاصفة سياسية لا تهدأ.

تراجعت الثقة في الجيش، وتفاقمت الخلافات بين القيادة العسكرية والسياسية، بينما استمرّت مظاهرات آلاف المستوطنين للمطالبة برحيل نتنياهو وتحميله مسؤولية «أسوأ كارثة أمنية» في تاريخ الكيان.

أزمات الائتلاف الحاكم تفاقمت مع تصاعد الضغط الأمريكي والأوروبي لوقف العمليات، دون أن يمتلك نتنياهو مخرجًا يحفظ ماء الوجه.

في العمق، ظهر ما لم يكن يُقال بصراحة: أن دولة الاحتلال، رغم قوتها العسكرية، فقدت قدرتها على الحسم وفقدت معها صورة الدولة التي لا تُقهر.

الخذلان العربي

في الجانب العربي، كشفت الحرب هشاشة الموقف الجماعي، فباستثناء بعض الأصوات الشعبية والإنسانية، بقيت الأنظمة الرسمية حبيسة البيانات الدبلوماسية والوساطات الشكلية.

عادت لغة «القلق البالغ» و«الدعوة إلى ضبط النفس»، بينما استمرّ التطبيع قائمًا مع بعض العواصم، وكأنّ الدم الفلسطيني لا يعني شيئًا.

لقد مثّل هذا الموقف خذلانًا سياسيًا وأخلاقيًا لشعوبٍ كانت تنتظر أن ترى موقفًا عربيًا موحدًا يليق بعمق المأساة.

ومع ذلك، أكّدت الأحداث أن القضية الفلسطينية لا تموت بقرارات القمم ولا تصان بالبيانات، بل تبقى حيّة في وجدان الناس، وفي وعي جيلٍ عربيٍ جديد يرى في فلسطين مرآة لكرامته المهدورة.

 صمود ما بعد الألم

بعد عامين من الدمار، ما زال أكثر من مليوني إنسان في غزة يعيشون وسط الركام، لكنّهم رفضوا الاستسلام.

من بين الأنقاض، وُلدت أشكال جديدة من المقاومة المدنية والاجتماعية والثقافية، الشباب الفلسطيني يوثّق بالهاتف ما لا تنقله الشاشات، والنساء يقمن بدورٍ بطولي في الصمود والإغاثة والتعليم.

تحوّلت غزة إلى رمزٍ عالميٍّ للثبات في وجه القهر، كما كانت فيتنام في الستينات أو جنوب إفريقيا في الثمانينات.

ومن رحم المأساة، تشكّل وعيٌ عالميٌّ جديد: أنّ ما يحدث في فلسطين ليس «نزاعًا حدوديًا»، بل قضية حريةٍ وعدالةٍ وكرامةٍ إنسانية.

طوفان غيّر العالم

مرّ عامان على “طوفان الأقصى”، والعالم لم يعد كما كان، انهارت الأساطير التي بنتها دولة الاحتلال حول «الجيش الذي لا يُقهر»، وتصدّعت صورة الغرب كحامٍ لحقوق الإنسان، وبرزت المقاومة -بمفهومها الإنساني والسياسي- كقضية حقٍّ تتجاوز حدود الجغرافيا.

لقد أظهر الفلسطينيون أنّ الضعف لا يعني الهزيمة، وأنّ الإرادة حين تُوجَّه نحو التحرّر قادرة على قلب الموازين مهما بلغ التفوق العسكري للخصم.

وفي زمنٍ تتساقط فيه الأقنعة، أكد طوفان الأقصى لم يكن مجرد حدثٍ عابر، بل بداية عصرٍ جديدٍ يُعيد رسم خريطة الصراع ومعها خريطة الوعي الإنساني ذاته.

الباحث في التاريخ العسكري ودراسات الدفاع الدكتور توفيق هامل لـ”الشروق”:
الحروب غير المتكافئة نادرًا ما تنتهي بانتصار الجيوش النظامية

يقدم الباحث في التاريخ العسكري ودراسات الدفاع الدكتور توفيق هامل، أفق الصراع في جانبه العسكري والاستخباراتي بين المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال، ويجزم بعدم قدرة الاحتلال على حسم الصراع.

ويفكك الدكتور هامل، سياقات الحرب داخليا وخارجيا، وكيفية تعامل القوى الإقليمية، والدولية خاصة أمريكا وروسيا والصين مع ما يجري في غزة.

المتحدث السابق في الأمم المتحدة عبد الحميد صيام لـ”الشروق”:
ربط أزمة فلسطين بالسابع أكتوبر تشويه للحقائق وتزوير للتاريخ

عبد الحميد صيام، أستاذ دراسات الشرق الأوسط والعلوم السياسية في جامعة “روتغرز” في ولاية نيوجيرسي منذ عام 2007، وقبل ذلك موظفًا دوليًّا مع الأمم المتحدة مدة 25 سنة شغل فيها عدة مناصب في مكتب الأمين العام ومكتب المتحدث الرسمي، ومتحدثًا رسميًّا في الصحراء الغربية والعراق وباكستان وأفغانستان.

هذا المسار جعله ضليعا في ما يحدث في البيت الزجاجي بنيويورك، حيث حاورته “الشروق” عن الهون والعجز الذي أصاب الهيئة الأممية ومجلس الأمن في وقف المذبحة الفلسطينية في غزة لسنتين متواصلتين دون توقف.

القيادي في حركة المقاومة الإسلامية “حماس” عبد الرحمان شديد لـ”الشروق”:
الكلفة البشرية والمادية في غزة ثمنها وجود الاحتلال وليس ثمن مقاومته

يقدم القيادي في حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، عبد الرحمان شديد، تقييما مفصلا لما حققه طوفان الأقصى بعد سنتين من انطلاقه في السابع أكتوبر 2023، ليؤكد أن العملية حققت أهدافا كبيرة على المستويين العسكري والسياسي.

وبخصوص التكلفة المرتفعة في عدد الشهداء والدمار المهول في غزة، يقول شديد إن ذلك ثمن وجود الاحتلال وليس ثمن مقاومته، ويفصل المتحدث في المواقف الدولية مما يحدث ومكانة الحركة داخليا، ومستقبل الصراع مع الاحتلال خاصة من يحكم غزة.

الباحثة في الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني ياسمين وليد قاسم لـ”الشروق”: محاسبة إسرائيل على جرائمها في غزة قد تتأخر لكن لن تسقط بالتقادم

تفصل الباحثة في الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني “حشد” ياسمين قاسم، في المسارات القانونية لما تركته دولة الاحتلال في غزة بالتأكيد أنها حرب إبادة لا غبار عليها، مستلة في ذلك بالنصوص القانونية والاتفاقيات الدولية.

وتقول ياسمين قاسم في هذا الحوار مع “الشروق”، إنه رغم العثرات التي ميزت محاسبة الاحتلال على جرائمه، فإن ذلك سيحدث ولن يسقط بالتقادم.

مقالات ذات صلة