طوفان الأقصى في ذكراه الثالثة و تهافت الرواية الإسرائيلية
إن الرواية الإسرائيلية لهجوم السابع من اكتوبر 2023 رواية متهافتة، فقد أرادت إسرائيل من خلال هذا الرواية تبرئة ساحتها و إيهام الرأي العام العالمي بأن ما تقوم به في غزة هو رد مشروع ضد العدوان الذي استهدفها و الذي قادته الفصائل الإسلامية المسلحة. و قد صدق البعض هذه الرواية و طفقوا يروجون لفكرة أن إسرائيل المعتدى عليها من حقها الدفاع عن نفسها و الانتقام لقتلاها بكل الطرق حتى و إن اقتضى الأمر هدم غزة على رؤوس ساكنيها و القضاء على كل مظاهر الحياة فيها.
وتقوم الرواية الإسرائيلية لهجوم السابع من أكتوبر 2023 على مزاعم رئيسة ، أولها أن ما قامت به المقاومة الإسلامية يعد مباغتة دموية غير أخلاقية ، حدثت في يوم عطلة دينية ( عيد سمحات توراه) ، و ثانيها أن هذه المباغتة قد تخللتها عمليات قتل عشوائي و اختطاف رهائن التي استخدمتها إسرائيل كورقة من أجل استعطاف الرأي العام العالمي و إقناع الإسرائيليين بأن إعادة احتلال غزة كان دفاعا مشروعا ضد العمل المسلح الذي قادته حماس و أخواتها ضد إسرائيل، و ثالثها إشاعة مزاعم العنف الجنسي الذي تقول إسرائيل إنه من تدبير حماس و من لف لفها ، و رابعها مزاعم إسرائيل بأن ما قامت به الجماعات الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023 في حق الأطفال و الرضع يندرج ضمن الجرائم الإنسانية التي يدينها القانون الدولي الإنساني. و تتصل بهذه الرواية الإسرائيلية لهجوم السابع من أكتوبر 2023 بتوصيفات من نسج الخيال ما أنزل الله بها من سلطان ، حيث تعتبر إسرائيل هذه الحادثة بمنزلة صدمة وجودية و نقطة تحول في تاريخها شبيهة بحادثة الحادي عشر من أكتوبر 2001 و نكسة أكتوبر 1973، كما ترجع إسرائيل مسؤولية هذه الحادثة إلى الفشل الاستخباراتي الكبير الذي يتحمله الشاباك و الاستخبارات العسكرية “أمان” و عجزها عن قراءة النوايا و توقع الهجوم قبل أن يوقع ما أوقعه من خسائر . و قد دفع هجوم السابع من أكتوبر 2023 إسرائيل إلى تغيير استراتيجيتها العسكرية و نهج سلوك أكثر تطرفا ، يهدف بزعمها إلى القضاء على حماس قضاء مبرما و إعادة صياغة أمن المنطقة. و من الجانب القانوني ، رافعت إسرائيل على تصنيف هجوم السابع من أكتوبر 2023 على أنه يرقى إلى كونه جرائم ضد الإنسانية ، في حين أن الهدف الحقيقي و غير المعلن هو اتخاذ إسرائيل هجوم السابع من أكتوبر 2023 ذريعة لتبرير عدوانها على غزة الذي أوقع شهداء و جرحى بالآلاف في غزة وحدها.
إن الرواية الإسرائيلية لهجوم السابع من أكتوبر 2023 رواية متهافتة، تمثل إسرائيل من خلالها دور اللص الذي يشكو صاحب البيت، فمتى كانت إسرائيل تقيم وزنا للأخلاق و هي التي تمعن في القتل ضاربة عرض الحائط بكل القيم الأخلاقية ؟، و كيف يقبل من إسرائيل إدانتها لعمليات القتل العشوائي و هي البارعة في هذا الإجرام لا ينافسها في ذلك أحد من العالمين ؟ . و كيف يقبل من إسرائيل إدانتها لاختطاف الرهائن و هي الكيان الذي تتجاوز عقيدته العسكرية اختطاف الرهائن إلى قتلهم و التنكيل بهم و حجز جثثهم؟. و متى كانت إسرائيل تعمل بمقتضى الشرعية حتى تتحدث عنها و تدين مخترقيها ؟ و كيف يقبل من إسرائيل إدانة قتل الأطفال و التنكيل بهم و هي التي استخدمت من وسائل تعنيف الأحداث ما لا يخطر ببال ؟ و ما قصة صحوة الضمير التي تدعيها إسرائيل و هي المجردة من كل ضمير و من كل إحساس؟ و كيف تسمح إسرائيل لنفسها بجلد الذات و هي تشبه ما حدث في السابع من أكتوبر 2023 بما حدث في الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، و أذرعها متورطة في كل عدوان يهدد الاستقرار الدولي و يشجع على العنف و التطرف؟. و ما مبرر الانقلاب الإسرائيلي على الشاباك و منظومتها الاستخباراتية و هي التي لا تكف عن التباهي بها بمناسبة و من غير مناسبة ؟ و كيف يقبل من إسرائيل الحديث عن جرائم الحرب و جرائم الإبادة الجماعية و هي البارعة في هذا الإجرام منذ تأسيسها إلى تاريخها الراهن ؟.
تضمنت الرواية الإسرائيلية لهجوم السابع من أكتوبر 2023 كثيرا من التلفيقات التي كشفتها وسائل إعلامية إسرائيلية و دولية و كشفتها تحقيقات عسكرية و استخباراتية ، و هو ما عرى صفحتها و فضح أكاذيبها حيث اتخذت إسرائيل من الكذب و التضخيم وسيلة لتبرير جرمها و عدوانها على غزة . فقد كشفت تحقيقات صحيفة “هآرتس” أن منظمة “زاكا” الإسرائيلية المتطرفة نشرت قصصا كاذبة و مختلقة عن قصة العشرين طفلا و المرأة الحامل التي بقرت بطنها و خرجت أقتابها الذين تدعي هذه المنظمة بأن الوحدات الفلسطينية المهاجمة هي التي أجهزت عليهم ، في حين أن “زاكا” قد اختلقت ذلك من أجل جمع الأموال لتجاوز أزمتها المالية الخانقة و لم تستند في ذلك على تحقيقات ميدانية.
تمثل “زاكا” جناحا متطرفا يقوم على إشاعة الأخبار الكاذبة و استغلال الأزمات لأغراض مادية و هي منظمة تطوعية مختصة في جمع الأشلاء و تحديد هوية القتلى ، و تعرف في الوسط الإسرائيلي بفبركة الأخبار و نشر المعلومات المغلوطة علاوة على سلوكها التحريضي و عدم مهنيتها.
و كشف تطبيق بروتوكول هانيبل أن جزءا كبيرا من الخسائر البشرية في السابع من أكتوبر 2023لم يكن من توقيع الوحدات الفلسطينية بل بسبب نيران صديقة من قبل الحراس الأمنيين و قوات الجيش الإسرائيلي التي تدخلت فيما بعد و شرعت في إطلاق النار على كل ما يتحرك على الأرض من غير تمييز بين الإسرائيليين و المهاجمين ، و هذا دليل على حالة الإرباك الكبيرة التي انتابت القوات الإسرائيلية بعد العملية الفدائية المباغتة التي نفذتها الجماعات الفلسطينية .
و معلوم في الاستراتيجية الحربية المعاصرة التي تنتهجها إسرائيل أن الهدف من تطبيق بروتوكول هانيبال هو الحيلولة دون وقوع حالات أسر في صفوف الجيش الإسرائيلي ، إذ يجيز هذا البروتوكول للقوات المسلحة الإسرائيلية إطلاق النار على بعض أفرادها إذا رجحت لديها فرضية وقوعهم في الأسر ، و الهدف من ذلك منع العدو من استغلال عمليات الأسر لافتكاك شهادات و أسرار تضر بالخطة الحربية التي تم وضعها لإخضاع الخصم .و قد لجأت إسرائيل أكثر من مرة إلى استخدام هذا البروتوكول خلال عدوانها الأخير على غزة ، و لكن ذلك لم يمنع من وقوع حالات أسر لجنود إسرائيليين في يد كتائب عز الدين القسام و الذين تمت إعادتهم قتلى أو أحياء إلى إسرائيل خلال عمليات التبادل التي وقعت تحت رعاية الصليب الأحمر الدولي بين إسرائيل و كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس و التي شملت أيضا بعض الأسرى الذين أسرتهم و احتجزتهم فصائل فلسطينية أخرى و منها حركة الجهاد الإسلامي.
و كشفت تحقيقات الجيش الإسرائيلي عن حجم العجز الاستخباراتي و الفشل الميداني ، حيث تجاهلت القيادة العسكرية بعض الإشارات المبكرة عن تحركات محتملة ،و هي القضية التي استثمرت فيها المفاومة الفلسطينية ” إذ الحرب خدعة ” و نجحت في اختراق بعض التحصينات و نسف بعض الدفاعات و نقاط المراقبة المتقدمة و الوصول إلى مواضع متقدمة لأول مرة في تاريخ الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. و في هذا الصدد وجهت فرق التحقيق اتهامات مباشرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتعمده إخفاء حجم الخسائر من أجل تفادي المساءلة القانونية و ضمان بقائه في السلطة.
لقد بينت بما وسعني العثور عليه من وثائق عن هجوم السابع من أكتوبر 2023 أو بالأحرى “طوفان الأقصى ” أن هذه الحادثة بغض النظر عن تضارب الروايات بشأنها لم تأت من العدم بل هي نتيجة حتمية للاحتلال الإسرائيلي و للتجاوزات التي يقوم بها في حق الفلسطينيين و مقدساتهم ، فما ذا ننتظر من شعب مضطهد غير الدفاع عن أرضه و مقدساته وحدوده ووجوده بكل الوسائل فمن المفارقة أن يشكو اللص صاحب المنزل فزوال كل ذلك بزوال الاحتلال.