منوعات
سهيل الخالدي يروي للشروق رحلته من سوريا إلى مخيم سيدي فرج

ظفرت من الغنيمة بالإياب .. وفي الجزائر “راني مدرّڤ راسي”

الشروق أونلاين
  • 6815
  • 3
الشروق
صحفي الشروق يحاور سهيل الخالدي

كيف كانت رحلتك من ديار الرحمة بالجزائر، أين كنت تقيم، إلى سوريا حيث أقمت إلى أن فررت بجلدك من معمعة ما يحدث هناك؟

أنا ذهبت إلى سوريا في 2008 لأنني بقيت بلا سكن في الجزائر في دار المسنين، ولما كان عندي أستوديو عبارة عن شقة صغيرة في سوريا، ونتيجة عملي التطوعي في موضوع المصالحة الوطنية في الجزائر، وذهابي إلى الجبال أصبت بأمراض مزمنة منها القلب والسكري، وهي أمراض تحتاج كلها إلى راحة، فذهبت إلى سوريا أساسا بقصد الراحة في شقتي الصغيرة والمعالجة قدر الإمكان، وبقيت كل هذه الفترة في سوريا بلا عمل، وكنت أعيش على مدخرات جلبتها معي من أيام إقامتي بالجزائر، بعدها تزوجت في سوريا وزادت همومي و عقبت الحياة تطباع”، وابتدأت في 2011 ما يسمى بالثورة السورية. وفي جويلية 2012 بدأت معركة دمشق. ولما تحوّل حيّنا الذي يسمى المالكي ببلدة يلدا، وهي بلدة فلاحية، إلى مكان لإلقاء الجثث وإلى جزء من مشهد الدمار الكبير، نقلنا مسلّحون إلى ملجأ في إحدى المدارس، وضاقت بنا الحياة لأنه حتى في هذا الملجأ طالنا القصف، وبدأت الناس تموت حولنا، عندها قررت أن أبحث عن أسلوب للخروج، فاتّصلت ببعض الإخوة الجزائريين فأخبروني بأن الجزائر شرعت في استقبال اللاجئين السوريين، واتصلوا بالسفارة الجزائرية في دمشق لمساعدتنا على الخروج وفعلا خرجنا ووجدنا صعوبات إدارية ووصلنا المطار والرصاص خلفنا. في هذه الفترة التي عشتها في سوريا كان لنا أصدقاء من الوسط الثقافي بعضهم أخذوه إلى السجن، وبعضهم غُيّب ولا ندري إلى أين انتهى. وفي هذه المعمعة، وبالإضافة إلى ما فقده الإنسان من أمن فقد أيضا علاقاته في ظل الكل يبحث عن مأمن لنفسه. ووصلنا يوم الإثنين 26 أوت المنصرم وتلقاني الزملاء وجاؤوا بي إلى مخيم سيدي فرج أين وجدنا عائلات قليلة، وأنا متواجد فيه رفقة زوجتي، وحمدنا ربنا أن ليس لنا أولاد وإلا لكانت الأمور أكثر تعقيدا، والآن الأصدقاء بمن فيهم علي فضيل وأساتذة جامعة وإعلاميين يحاولون التخفيف من مأساتنا سواء لجهة السكن أو لجهة العمل، وحمدت الله أيضا على أني استطعت أن أخرج ومعي بعض الأبحاث التي كنت أقوم بها خلال هذه الفترة وتتعلق بتاريخ الجزائر وبالتجربة اللغوية الجزائرية خلال 50 سنة الفارطة وببلدانية الجزائر، وكتاب آخر يتعلق بما يسمى بالربيع العربي لعلّي أقوم بنشرها. هذا ما خرجت به، وكما يقول المثل ظفرت من الغنيمة بالإياب .

أما مكتبتي ففيها كتب مرجعية وموسوعات سلمت مفاتيح البيت إلى أحد الجيران، ولا أدري هل سيبقى على قيد الحياة لأنه كان في وضع أسوأ من وضعي. وقد كنت فقدت الأدوية، والآن على الأقل أستطيع الحصول عليها في الجزائر.

هل كانت حياتك في الفترة التي أقمتها في سوريا شبيهة برحلة المعاناة التي عشتها في ديار الرحمة في الجزائر، والمثقفون والإعلاميون الجزائريون يعرفون بعض التفاصيل عنها لأنها نشرت في الجرائد؟

من ناحية السكن كنت أفضل حالا من مأوى المسنين لأني أقمت في شقتي بدمشق، لكن من ناحية العمل الإعلامي فأنا لست محسوبا على أية جهة إعلامية أو سلطوية في سوريا، وهناك في نظام الإعلام لا يمكن أن تكتب حرفا واحدا من دون موافقة السلطة السياسية، لهذا لم أكتب حرفا واحدا، وبقيت أعتاش مثلما ذكرت لك على بقايا مدخراتي، وعندي صديق في الإمارات أعانني بشيء من المال، لأنني طوال سني عمري التي قضيتها متنقلا من بلد عربي لآخر لم أتمكن من الحصول على منحة تقاعد. لم أكن في سوريا أعيش مرتاحا، وإنما أعيش حياة الحد الأدنى، أما في الجزائر فأنا مدرڤ راسي، أما غير ذلك فكانت معاناة وأنا كنت أعرف ذلك.

المعروف عن بلدة يلدا أنها ملاصقة لمخيم اليرموك للفلسطينيين، حدثنا عن موقف الفلسطينيين مما يحدث؟

لقد تم قصف الكثير من المواقع في المخيم، لكن الموقف الشعبي الفلسطيني هو مع الشعب السوري، والفلسطينيون ضيوف على هذا الشعب منذ 60 سنة، لكن مواقف الفصائل الفلسطينية لم يكن واضحا سواء مع النظام أو مع الشعب السوري، باستثناء فصيل واحد حدّد موقفه مع النظام، ومن هنا أصبح الشعب الفلسطيني في مأزق، لذلك رأينا أن عددا من المواطنين الفلسطينيين قتلوا في هذه المعمعة وبحالات غامضة، ومع ذلك وجدنا في هذا المخيم لاجئين سوريين قدموا من الأماكن الأكثر التهابا مثل حمص، ولأن الشعب الفلسطيني يعرف ويلات اللجوء فتح بيوته لهؤلاء النازحين من الأهوال، وبالتالي صار المخيم مخيم الجميع، ولم يعد للفلسطينيين وحدهم. الحصار قائم على مداخل هذا المخيم بالدبابات، وهناك معاناة شديدة في المواد الغذائية، الكهرباء، الماء وحتى التنقل، ويبدو أنه لا يزال القصف مستمرا (خلال إجرائنا لهذه المقابلة تلقى الأستاذ سهيل الخالدي اتصالا من أحد جيرانه في بلدة يلدا السورية وهو جزائري يدعى أبو سامر فسأله عن الوضع هناك فأخبره أن القصف متواصل)، وحدثت هجرات من المخيم إلى مناطق أخرى منها الأردن. الخلاصة أن الوضع العام في سوريا لم يعد هناك مكان آمن يلجأ إليه الناس والأوضاع متردية بشكل كبير.

ما هو تحليل الإعلامي سهيل الخالدي لما يحدث في سوريا؟

من ناحية السياسية، ومن حيث التحليل السياسي، المعارضة السورية في الخارج ليس لها قواعد حقيقية في الداخل، وحين بدأت حركة الشعب السوري بدأت سلمية في درعا وكانت مقبولة وتتفق وعقلية الشعب السوري التي هي عقلية لا تلجأ إلى السلاح إلا في آخر المطاف، حيث الإثنيات متعايشة منذ آلاف السنين، وفجأة أصبحت الحركة مسلحة وانتقل مركزها إلى حمص، وهنا الشعب السوري لم يكن راض لا على المعارضة ولا على النظام، فبدأت ظاهرة الجيش السوري الحر، ويبدو أن هذا الجيش بصفته يعمل في الميدان اصطدم مع معارضة الخارج، ووضح لدى المواطن العادي أن هذه المعارضة ورقة تلعب بها الدول الكبرى والدول الإقليمية، والشعب السوري لا يريد هذه الدول سواء كانت صديقة للنظام أو ضده، ولا يريد الأمريكان ولا الروس. من الناحية العملية الجيش السوري الحر سيتحول بحد ذاته إلى هيئة سياسية مستقلة عن جميع الأطراف، لكن هذه الأطراف تحاول أن تقود الأزمة السورية إلى حرب أهلية، وهذا ما لا يريده الشعب السوري.

ومن هنا تتعقد الأزمة وتطول. وحتى الآن لا يظهر في الأفق باب أمل قوي، والذي يزيد من هذه المأساة أن المثقفين السوريين الذين عرفوا بعقلانيتهم وبعروبتهم وحتى الليبراليين فقدوا البوصلة، لذلك أنت لا ترى لأي طرف برنامجا سياسيا واضحا، وبرنامج النظام هو الأكثر وضوحا، وهو برنامج يتمحور أساسا حول التمسك بالسلطة بأي ثمن. ومن هنا تزداد المعاناة بكل أطرافها اقتصاديا واجتماعيا، إضافة إلى البلبلة الفكرية لأن الشعب لا يعرف من يؤيد، وتبدو المسألة في اللحظة الراهنة وكأنها حرب يقودها الإعلام سواء الموالي أو المعارض.

مقالات ذات صلة