“ظل مهبول ولا ظل شجرة”!
“إذا كان الجنون وراثيا يُسمح للمجنون بالزواج من امرأة كبيرة في السن، أو لديها ظروف تجعلها غير مرغوبة من الأزواج الأصحاء أولا تنجب”، هذا جزء من فتوى أصدرها الشيخ يوسف القرضاوي قبل سنوات حول إمكانية زواج المجنون الذي لا ينبغي أن يحجر على رغبته في الزواج طالما أنه يمتلك غريزة طبيعية مثل بقية الأصحاء على أن يتم التعامل بحذر مع مسألة الإنجاب التي يجب أن تخضع لمعاينة طبيب مختص حتى لا يتم” إنتاج “جيل جديد من “المجانين”.
والحقيقة أن بعض العائلات لم تكن بحاجة إلى فتوى القرضاوي أو سواه من علماء الدين الذين أيدوه في هذه المسألة حتى تزوّج بناتها بمجانين عن سبق إصرار، طالما أن ” الرجل” في مفهوم المجتمعات العربية، وفي مفهوم مجتمعنا الجزائري لايخالطه نوع من ” التفرقة العنصرية” التي تجعل من هذا رجل ومن ذاك نصف رجل، فالرجل في المجتمعات العربية، هو ذلك المخلوق من جنس ذكر ولايهم بعد ذلك إن كان مجنونا أو معلولا أو ” مزطولا” مادام أنه يستطيع أن ينقذ المرأة من شبح العنوسة و يمنحها لقب” زوجة “حتى ولو كانت زوجة مجنون.
والمثير للسخرية أن بعض الأسر التي تقرّر تزويج بناتها بصاحب علة من العلل التي لا ينفع معها طبيب أو” طالب”، أنها تحاول أن تحشد الكثير من المبررات ما يجعل الزواج مقبولا اجتماعيا، بل و تنصّب نفسها محامي دفاع عن الخاطب الذي إذا كان مجنونا فحتما سيسترد عقله، وإذا كان مدمنا على المخدرات أو سكيرا فستتنزل عليه ملائكة الرحمة وتُلبسه رداء التوبة والهداية وما ذلك على الله بعزيز.
مجنون”محلي”
إذا كان بعض أهالي المجانين، أو المتخلفين عقليا، لا يفصحون لأهل العروس بعلة ابنهم، وإن كانوا في الغالب يمعنون في البحث عن عروس بسيطة من كل النواحي حتى إذا اكتشفت المستور بعد الزواج استسلمت للواقع، فإن البعض الآخر يفضل الكشف عن مرض ابنه ولكن بتحفظ شديد، فإذا كان متخلفا عقليا بنسبة مائة بالمئة، فإنهم يكشفون عن خمسين بالمئة ويحتفظون بالخمسين الباقية، وفي مقابل ذلك يسهبون في الحديث عن” مواهبه”و”خصاله” الطيبة وإمكاناته المادية، وهي عملية غسيل مخ تخضع لها العروس”المتعوسة”، ليس من أهل العريس فقط، وإنما من طرف أهلها أيضا، فهذه أم العريس تقول لها: “ناوليه في الصباح حبة دواء، وفي المساء حفنة دواء وسترين كيف يصلح حاله و يصبح “راجل و نص”، وهذه أمها تقول لها: “عيب الرجل في جيبه”، و “الرجل رجلا ولوكان مجنونا” و “كم من مجنون شفاه الله”، مع أن كبار الأطباء العقليين لايجرؤون على إطلاق هذه” الفتوى” الطبية الشنيعة، وبدل أن ترفض الفتاة، توافق ولسان حالها يقول: “مكرهة لا بطلة” خاصة إذا كانت متأكدة أن النجوم أقرب لها من الزواج برجل سوي.
مجنون ولكن “ميقري”
شتان بين مجنون “محلي” ومجنون” ميقري”، فعلى الأقل هذا الأخير لديه من الإمتيازات ما يجعله مجنون” خمس نجوم” ليس ينقصه شئ من متاع الدنيا إلا “العقل”، لذلك عندما يفكر أهله في تزويجه لن يجدوا صعوبة كبيرة في إقناع العروس التي سيخيل إليها أنها ستتزوج من “وزير الصحة” بما أن المجنون “المحلي” أصبح مرغوبا فيه لطرد شبح العنوسة .
تقول السيدة ذكرى، وهي صاحبة صالون حلاقة بالعاصمة، إن زبونة دائمة لديها تقدم لها شاب مغترب ولكنه متخلف عقليا بنسبة كبيرة، وأنه لا يستطيع القيام بأبسط الأمور بنفسه، والمطلوب منها أن تكون يده اليسرى واليمنى و سمعه وبصره وعقله، هكذا طلبت منها والدته التي أغدقت عليها من الهدايا والعطايا فوافقت على الفور وسافرت معه إلى فرنسا.
“ظل شجرة ولا ظل مهبول”
على الرغم من ان العلماء أجازوا للمجنون أن يتزوج، إلا أنه ليس بالضرورة أن يتم العمل بهذا”الجواز”، فكثيرا من الأمور المباحة في ديننا كتعدد الزوجات ليست مقبولة اجتماعيا إلا فيما ندر، هذا من ناحية الشرع، أما من الناحية الإجتماعية، فليس مستساغا أبدا أن تربط المرأة مصيرها برجل به لوثة في عقله، فإذا كانت هي ناقصة عقل، وهو بلا عقل فكيف سيكون حالهما؟ وحتى و إن كان العلماء اشترطوا في زواج المجنون أن لا يكون عنيفا، إلاّ أنه من يضمن لها أن تتزوج بمجنون أو مختل عقليا “عاقل”، هادئ الطباع، إذا كان الطبيب نفسه لا يستطيع أن يضمن تصرفاته، أي زواج هذا الذي تريد به المرأة إنقاذ نفسها من العنوسة لتقع في “عبوسة” طوال حياتها، ولا تعرف متى ” يصلي” عليها زوجها المجنون “صلاة الجنازة”، أليس حريا بالنساء اللواتي يفكرن بهذا المنطق أن يراجعن أنفسهن ويقتنعن بأن ” ظل شجرة” أفضل بكثير من ظل مجنون أو ” مزطول ” وما شاكلهما.