الرأي

عائد من رقان: ما أعظم هذا الدين..

أبو جرة سلطاني
  • 155
  • 0

زرت بلدية رقان (ولاية أدرار) عدة مرات في مناسبات مختلفة؛ ولكن لم يسبق لي حضور إحياء ذكرى الشيخ مولاي عبد الله الرقاني (1682/ 1735 ميلادية) التي تحييها الزاوية الرقانية يومي 1و 2 مايو من كل عام. ولمن لا يعرف رقان أذكره بأنه على مرمى حجر من قبر مولاي الرقاني تنتهي الحياة وينتهي. العمران..!! لأن فرنسا التاريخية أعدمتهما بتجاربها النووية بين سنوات 1960/1966 فأماتت في صحرائنا الحياة وأوقفت العمران. وتلك قصة أخرى.

أما الذي حملني على شهود هذا الحدث السنوي الكبير فأمران:
الأول: دعوة مفتوحة وجهها لي صديقي سالم بن مبارك (رئيس بلدية بودة الأسبق ونائب رئيس مجلس الأمة السابق) لزيارة ولاية أدرار في ضيافته. وهو من أعيان المنطقة الذي لا يُرد له التماس.
والثاني: مشاهدتي شريطا عن الاحتفالات التي تنظمها الزاوية سنويا في مشهد يذكر بصلاة العيدين أو بحركة الحجيج في منى أيام التشريق أو بفيلم الرسالة..

قررت أن أجمع بين الأمرين معا فأنزل ضيفا على صديقي السيناتور المبارك وأشارك في هذه التظاهرة الروحية لٱخذ فكرة عما يروًج له البعض من أراجيف تحرم وتحلل وتبدًع وتكفًر..!! ولو سألت أحدهم: هل تعرف من هو الشيخ الرقاني؟؟ هل حضرت هذه التظاهرة العلمية؟ هل سمعت دروسها وأذكارها؟ هل تابعت وقائعها؟ هل تعرف منافعها ومضارها؟؟ لكان جوابه: سمعت الناس يقولون..!! وأتباع الطريقة يجتمهون لها..!! ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أحيا ذكرى مولده ولا ذكرى هجرته..!! ولم يحتفل بذكرى انتصار المسلمين في غزوة بدر ولا بفتح مكة..!! وما فعل الخلفاء الراشدون شيئا من ذلك خلال الأربعين سنة التالية لرحيله..!! وما فعل ذلك السلف الصالح.. وما ليس سنة فهو بدعة..!! هكذا بجرة قلم.

قلت: البدعة هي الزيادة في الدين وليس أبدا استثمار “أيام الله” لتذكير المؤمنين بأمجادهم وبعلماء الأمة وبما تركوه من فضل.. هي مناسبة لجمع الناس على تلاوة القرٱن وختمه والصلاة الجماعية والاعتزاز بالانتماء لهذه الأمة.. وتذكيرهم بما اندرس من دينهم وما ذهب من قيمهم وما انغمسوا فيه من شؤون دنياهم.. حتى صار الدين غريبا وصار علماء الأمة ودعاتها نسيا منسيا. كأن الجزائر لم تلد سوى “القبوريين”..!! ومن يكفًرهم..!!

سأنقل إليكم صورة حية عن الحفل وأسجل بعض الملاحظات على هوامش الزيارة ولكم أن تحكموا على جدوى ما تقوم به بعض الزوايا العامرة التي حافظت على ثلاثة مكاسب لا ينكرها إلا جاحد لفضل الله على الجزاىر أو جاهل بتاريخ هذا الشعب العظيم الذي ابتلي بموجات مسخ وحملات تشويه منذ سقوط الأندلس عام 1492 إلى يوم استرجاع السيادة الوطنية عام 1962. ومازال يئن تحت وطأة جهل أبنائه بدينهم وعجز علمائه عن بيان ما يقع على كاهلهم.

المكسب الأول: تحفيظ كتاب الله للناشئة وتوريث حفظه للأجيال.
المكسب الثاني: حماية لغة القرٱن من الاندثار بربط تعلمها بحفظ الكتاب الذي أنزلت به.
والمكسب الثالث: حماية المذهب من الاختلاط “باللامذهبية” التي ينادي بها بعض ذراري المسلمين لخلع الأمة عن مذاهب أهل السنة والجماعة بالزعم أنهم رجال كما كان أئمتنا الأفذاذ رجالا..!!

استثمرت ساعات سفري لأقرأ ما أتيح لي الاطلاع عليه من معلومات حول سيرة الشيخ الرقاني.. وتتبعت ما نشر حول الاحتفلات السابقة بذكراه فخرجت بخلاصتين:

الأولى: أن الرجل كان عالما فقيها مجددا لزمانه.. وأنه عاش خادما للكتاب والسنة ومات على ذلك.. وهو بهذا السلوك يستحق الذكر والتنويه بما ترك من مناقب وبما توارثه أخلافه من سيرته ومواقفه.
والثانية: أن القائمين على إحياء ذكراه مطلع شهر مايو من كل عام لا يوجهون – عادة – دعوة لأحد..!! والحضور مفنوح لكل راغب في تجديد دينه دون لقب ولا رتبة ولا خصوصية.. ولا حتى كلمات مجاملة..

ويوم حضوري زاد يقيني بأن سكان بلدية رقان جميعا – ولاسيما ذوو اليسار منهم – في مستوى هذا الحدث السنوي بتطوعهم لخدمة زوار المدينة لشهود هذه التظاهرة السنوية التي تبدأ بختمة للقرٱن الكريم وتننهي بدعاء للشيخ وللحضور وللغائبين وللجزاىر وللأمة الإسلامية ولفلسطين.. ويتخلل البداية والنهاية لقاءات تعارف وتٱلف ومحبة.. ومحور ذلك درس سنوي مع المحافظة على الصلوات المكتوبة لجموع الحاضرين الذين لا يقلون عن 4000 مشاركا من الرجال يضاف إليهم ربع ذلك من النساء في جناح خاص بهن له مدخل منفصل وساحة مستقلة.

درس هذا العام كان حول طاعة الوالدين والبر بهما والشكر لله ثم لهما.. ألقاه حفيد الشيخ. وكان درسا قيما استغرق حوالي 50 دقيقة استعرض فيه نصوص القرٱن والحديث وٱثار السلف الصالح.. واستدعى أمثلة من واقعنا البئيس..!!

وكان مما شد انتباهي قوله: إن الله ربط بين ثلاثة فلا يقبل أحدها إذا انفصل عن صنوه:

1- ربط بين طاعته وطاعة رسوله؛ فلا تقبل عبادة من أطاع الله ولم يطع الرسول صلى الله عليه وسلم.
2- وربط بين الصلاة والزكاة؛ فمن منع الزكاة، إذا توفرت فيه شروطها؛ ردت عليه صلاته..!! (هذه مسألة فيها خلاف).
3- وربط عبادته بالإحسان للوالدين؛ فمن عبد الله بزعمه وهو عاق لوالديه فلم يبرهما ولم يشكر لهما لقي الله وهو عليه غضبان.
وساق شواهد كثيرة من واقع أسرنا؛ وختم موعظته البليغة بدعاء طويل. ثم صلينا المغرب جماعة في ساحة مفتوحة. ثم تولى أحد شيوخ المنطقة خاتمة اللقاء بدعاء نقلنا فيه من دنيانا إلى أخرانا.. وصلينا الجنازة على ميتين ودعانا.. وتفرقت الجموع الغفيرة تحت أعين الأمن والدرك والمنظمين.. في جو خاشع وفي أدب وهدوء.. وتركوا المكان نظيفا.

إذا كان لي من ملاحظات أسجلها في خاتمة هذا المقال فإني أكتفي بثلاث فحيب:

1- شكري الخالص والخاص لأهل رقان الذين تطوعوا بإكرام ضيوف الشيخ الرقاني جميعا. ووفروا لهم الماء والغداء والعشاء في أرقى مستوى الكرم والترحاب.. وهو عمل يستحق التنويه والشكر والثناء.. ولا يقدر على المداومة عليه إلا مؤمن بالله واليوم الٱخر.

2- الإشادة بأخلاق المشاركين. فعدد الحضور كان حاشدا من أغلب ولايات الوطن.. وهي ظاهرة تنبئ بميلاد صحوة ثالثة بدأت ترتسم قسماتها في الأفق.. وقد تكون مناسبات قادمة فرصة لتوكيدها.

3- مع شدة تأثري بالأجواء الروحانية إلا أن أذني التقطت في أدعية الشيخين قليلا من الألفاظ التي أنصح بالتخلي عنها لأنه ما كل الناس يفهمون “فقه الوسيلة والتوسل”. وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ندع ما يريبنا إلى ما لا يريبنا. والبقية علامة كامة لولاية أدرار سلطة وشعبا. ولأهل رقان خاصة. ولصديقي الحاج سالم.

مقالات ذات صلة