عائلة من 11 فردا تعيش ببركة الخالق في ميلة
إذا كان شهر رمضان يمثل للكثير من الجزائريين فرصة للم شمل العائلة على مائدة إفطار واحدة تتزين بكل ما لذّ وطاب من المأكولات الشهية، فإن البعض الآخر حُرم من هذا الفضل، حيث لا يجدون ما يسدون به رمقهم ويُسكتون به نداء بطونهم، وبالمقابل يعانون من إعاقات وأمراض تنسيهم حلاوة هذا الشهر الفضيل.. إنهم المعذبون في صمت بعدة مناطق من الجزائر العميقة.
تنقلت “الشروق” في أول أيام رمضان إلى أعالي جبال بلدية اعميرة آراس شمال ميلة، والضبط إلى دوار حجلة، بعدما سمعنا عن إحدى العائلات القاطنة بالمنطقة والتي تعاني الفقر والعوز والجوع، هذه الأخيرة تتكون من 11 فردا بينهم معاقون منهم طفلة في عمر الزهور، وسيدة ناصفت القرن من عمرها مريضة ومعاقة، وهي عمة الطفلة ملاك ذات الـ7 سنوات التي تدرس في السنة الأولى ابتدائي، علما أن ملاك تعاني من إعاقة على مستوى القدمين ولا تستطيع المشي إلا بصعوبة كبيرة، كما أن والدها شرافة مسعود، صاحب الـ 48 سنة، يعمل في ورشات البناء بأجر لا يكفي سوى لأيام معدودات لينتهي وتبقى بركة الخالق عز وجل هي التي تعيل الأسرة، فزوجته الخالة فتيحة مصابة بالضغط الدموي منذ أعوام وهي دون علاج بسبب الفقر، والأسوأ من ذلك تقول أم ملاك أن فلذة كبدها تتدهور حالتُها يوما بعد يوم، خاصة وأنها تخلت عن رياضة المشي التي كان والدها يحرص على نقلها لممارستها بإحدى العيادات بعاصمة الولاية ميلة والتي تبعد عن مقرّ سكنه بنحو 30 كلم.
سألناه عن سبب ذلك فردّ والدموع تنهمر من مقلتيه: لم أستطع يا أخي؟ هل أعمل لأعيل عائلتي أم أصطحب ابنتي للعلاج؟ خاصة أن البرنامج المخصص لها يكون 3 مرات في الأسبوع، مضيفا: كيف لي أن أتوقف عن العمل 3 أيام في الأسبوع؟ كيف أعيل عائلتي؟ سألناه: لمَ لا تأخذها والدتها؟ فأجاب: كان ذلك قبل 3 سنوات لكن بعد إصابتها بالضغط الدموي وهي في عقدها الرابع أصبحت لا تستطيع المشي كثيرا وكم من مرة أدخلتها المستشفى بسبب التعب والضغط.
الطفلة ملاك تنتظر فرجا من ذوي القلوب الرحيمة التي قد تعيد البسمة إلى شفتيها وحلم اللعب والمشي رفقة أترابها لأنها اليوم لا تخرج من غرفتها إلا برفقة أحد ليحميها من السقوط، تقول أم ملاك وهي تحترق حسرة على فلذة كبدها: أعاني الأمرّين في فصل الشتاء؛ البرد القارس والتعب وأنا أحملها على ظهري لأوصلها إلى المدرسة التي تبعد بـ 3 كلم عن البيت… المهم أن تدرس كباقي الأطفال.
وبخصوص العلاج في العيادة فإن مبلغ الحصة الواحدة يصل إلى 400 دج، أي 1200 أسبوعياً، وهو مبلغٌ عجز الوالد عن توفيره، فترك ابنته ملاك لإعاقتها التي عقدت حياتها.
العائلة تعاني من فقر مدقع وتعيش في غرفتين سقفهما من الإسمنت وغرفتين من القرميد والديس، وقد وجدنا شقيقة رب العائلة رحيمة تنام على أقمشة بالية رفقة القوارض والفئران لا تعلم كم عمرها ولم تدخل المدرسة يوما، تقوم بجلب الماء على الدواب، كما أنها تعاني من مرض الربو، وجدناها لا تستطيع التنفس وتصارع المرض في صمت رهيب حتى منحة الإعاقة التي كانت تتقاضاها يقول شقيقها حُرمت منها مدة عامين بعدما توفي شقيقها الذي كان يتكفل بسحبها من مركز البريد، وبعد وفاته حُرمت منها مدة سنتين ولم تباشر استلامها إلا منذ مدة قصيرة، وهو ما عمّق معاناتها وزاد في مرضها.
ونحن نودِّع العائلة التي كانت تستعدّ لتحضير وجبة الفطور ساقنا الفضول لنلقي نظرة على ما يُطهى في القدر فلم نجد سوى كمية من المرق ومعه قليل من الفريك، بالإضافة إلى الخبز، تقول أم ملاك: نصوم بقدرة قادر ونذوق اللحم نادرا وذلك عندما نذبح دجاجة أو ديكاً أربيهم خصيصا لشهر رمضان.
وحتى لا ننسى فإن شقيقة ملاك الطفلة أنفال صاحبة الـ 4 سنوات بدأت تعاني من مرض على مستوى عينيها ـ الحول ـ وتنتظر والدتها تكفلا عاجلا قبل فوات الأوان.