الرأي

عاهات الحبسة اللغوية والحبسة المعرفية

عمر أزراج
  • 4226
  • 0

لاشكَ أن تميَز فرادة وطريقة تفكير أي شعب مرتبط بالكيفية التي يستعمل بها اللغة، كما أن الإعاقة اللغوية تفرض حتما الإعاقة الفكرية، وهذا ما تبيَن جليا لعالم اللسانيات الروسي الأصل والأمريكي الجنسية رومان جاكبسن، وخاصة في دراسته البارزة لاضطرابات الحبسة التي يعتبرها مشكلة لغوية وليس فقط مجرد مشكلة فيزيولوجية كما يعتقد كثير من الناس.

وبهذا الشأن نجد هذا العالم يقول بكل وضوح:”إذا كانت الحبسة اضطرابا لغويا، كما يوحي المصطلح نفسه، إذا فلابد أن يبدأ أي وصف أو تصنيف لأعراض الحبسة بالسؤال عن أي مظاهر اللغة تتعرض للإتلاف في مختلف أنواع هذا المرض”، أما اللغة التي يقصدها هذا العالم الروسي فهي”اللغة في أثناء العمل، واللغة في طور الانتقال، واللغة في طور الولادة واللغة في أثناء ذوبانها”، وفي تقديري الخاص فإن اللهجات العامية، التي لا ترقى إلا”اللغة الواصفة ” المزودة بالمصطلحات والمفاهيم المفتاحية التي يفكر بها الإنسان تفكيرا علميا ومنطقيا في مسائل العلوم، والفلسفة، والفنون الراقية، تلعب دورا أساسيا في نشر وترسيخ الإعاقة المعرفية،  سواء داخل ما يسمى بالمجتمع العام أو بالمجتمع الخاص الذي تنهض على أيدي أفراده مهمة إنجاز التحولات الثقافية والفكرية والعلمية العميقة والمتطورة، ومن هنا نستطيع القول إن الفيلسوف الإسلامي العبقري ابن رشد قد أصاب عندما دعا إلى تأويل الباطن ضمن القرآن الكريم من طرف خاصة الخاصة، وليس من طرف العامة لأن مشكل التأويل نفسه يرتكز أصلا على فهم أسرار اللغة وعبقريتها والتفريق بين ما هو مجاز معقد يصعب فكَ شفراته وما هو أسطوري له دلالات تعني ما لايعنيه الواقع الحرفي الذي تنقله اللغة العادية، وبين ما هو ظاهر يفهم من طرف العامة لأنه لا يحتاج إلى فنَ الـتأويل وعلومه، لست أدري لماذا يدعو هذا أو ذاك إلى تعليم العامية واعتبارها جسرا بين الحضانة الأولى، والمرحلة التحضيرية، وبين مرحلة التعليم ما بعد التحضيري علما أن هؤلاء الدعاة يعرفون جيدا أن هذا النمط من الجسر يمكن أن يهوي بمن يمر عليه إلى هوَة العماء اللغوي والتشويش على الأجهزة التي تلعب دورا مفصليا في بناء وتحصيل المعرفة، وهذه الأجهزة وهي ملكات الحساسية، والفهم والمخيَلة التي تعدَ الواسطة بينهما التي توجد لدى الإنسان فطريا.   

في هذا السياق ينبغي أن نتساءل: هل يمكن لقاموس اللهجات العامية أن ينطبق على مقولات وأحكام ملكة الفهم وعمل المخيلة التي بدونها لا يمكن أبدا أن يكون هناك فكر أو معرفة؟ ثم هل لدى العاميات مصطلحات ومفاهيم تقدر أن تشتغل في ميادين علوم الفيزياء، والكيمياء، والطبَ العام، والعقلي، والاقتصاد، وعلم النفس، وفي ميادين التكنولوجيا، والتقنية، والنقد الفكري والأدبي، والفنون الراقية مثل الموسيقى، والنحت، والمعمار وهلم جرا؟ربما يقول أحد ما بأن الطفل في المرحلة التحضيرية لا ينتظر منه أن يدخل في متاهات تعلم مثل هذه العلوم والفنون بعد، ولكن التقدم العلمي والتكنولوجي – الذي نعيش في ظل ثمراه ويشاركنا فيها الأطفال الصغار منذ ولادتهم حتى دخولهم إلى المدارس التحضيرية والابتدائية في منازلنا يوميا بدءا من التلفزيون ومجموع القطع الالكترونية الملحقة به، والتي يعمل بمقتضاها، والهاتف، والمبرد والحاسوب، إلى أدوات الطبخ ذات التقنية العالية – تفرض لغته العلمية والتقنية نفسها عليهم وعلينا نحن الكبار في آن معا.

على ضوء ما تقدم ندرك مع المفكر المصري الراحل الدكتور زكي نجيب محمود أن”تكوين الأفكار وثيق الصلة بتكوين الكلمات، فكل علم يمكن ردَه إلى لغة أجيدت صياغتها، ومعنى قولنا عن علم معيَن إنه تطور وتقدم، هو أن ذلك العلم قد ضبط لغته، لا أكثر ولا أقل، ضبطا يتم إما بتغيير ألفاظه، وإما بأن يجعل الألفاظ القائمة أدق في معانيها”.

على هذا الأساس نجد زكي محمود يدعو إلى الشروع في تفجير ثورة في اللغة لأن ثورة التجديد في كل المجالات في تقديره، وهذا صحيح، تبدأ من اللغة، وهنا نجد مفكرنا زكي نجيب محمود يؤكد أن ثمة علاقة عضوية بين الإحساسات والأفكار واللغة ومن ثم يقدم نموذجا رائعا من النقاش الذي دار في تاريخ فرنسا، بعد أن قامت ثورتها في عام 1789م بأربعة أعوام فقط، ثم أنشأت لجانا وطنية أساسية وفرعية للبحث في السبل الكفيلة بتحقيق نقلة نوعية في تطوير بناء اللغة الفرنسية وكل ذلك من التمهَيد للخروج من تخلفها، ومن التأسيس لحداثة مجتمعها، وبهذا الخصوص كتب مبرزا : “كانت الفكرة الأساسية التي أراد “دي تراسي (وهو مفكر وعالم لغوي فرنسي) عرضها على أعضاء اللجنة الفرعية، مستمدة من الإضافة التي أضافها كوندياك إلى جون لوك، وهي أن اللغة ليست مجرد التعبير عن أفكار تكوَنت، بل هي جزء من عملية التفكير نفسها، فاستنتج دي تراسي من ذلك أن تطوير العلوم مرهون بتطوير اللغة، وهي نتيجة لها من الأهميَة والخطورة ما لا يحتاج منَا إلى بيان، لأنه في هذه الحالة يصبح محالا أن يتغير للناس فكر دون أن تتغير اللغة في طريقة استخدامها”.

إذا كانت النتيجة التي توصل إليها مفكر مهم من عيار زكي نجيب محمود هكذا، فهذا يفضي بنا إلى القول بأن للفكر الجدير بهذا الاسم له بنية أيضا وهي بنية اللغة نفسها التي تنطق به لأنه لا يمكن أن يكون هناك فكر إذا كان متشظيا، أو أبكما، أو بدون علاقات داخلية تحدد هويته ومنطقه ومعقوليته، وهي علاقات البنيات اللغوية ذاتها التي تربط أجزائه ومفاصله لتجعل منها كتلة حيَة ذات معنى أو معاني دالة، إن هذا النوع من الارتباط البنيوي بين الفكر، وحتى الفكر في حالة الكمون أيضا وبين اللغة هو ما دفع مفكرا فرنسيا بارزا وهو”جاك لا كان” إلى القول بأن اللاوعي الإنساني مبني مثل اللغة.                      

مقالات ذات صلة