عباسي مدني كان مجاهدا من الرعيل الأول
اكتشف الجزائريون حقائق ومعطيات تبين الوجه الآخر لمؤسس الجبهة الإسلامية للإنقاذ، الشيخ عباسي مدني، الذي وافته المنية الأربعاء عن عمر يناهز 88 سنة، في أحد مستشفيات الدوحة القطرية، ورغم اختلاف شريحة واسعة معه، بسبب الوضعية التي مرت بها الجزائر في التسعينيات، إلا أن الغالبية عبروا عن احترامهم للرجل، وهذا نظير ماضيه الثوري والسياسي والأكاديمي.
أجمع الكثير من الجزائريين على ضرورة رد الاعتبار للشيخ عباسي مدني، باعتباره حسب قولهم واحدا من رجالات الجزائر الذين يجب الإشادة به، بصرف النظر عن بعض مواقفه قبل وبعد تعليق المسار الانتخابي، مؤكدين أن عباسي مدني بقي وفيا لمبادئه الرامية إلى إحداث التغيير الجذري والفعال من الناحية السياسية، وإعادة النظر في طريقة الحكم، فضلا عن انتقاده المباشر لجبهة التحرير الوطني التي حادت حسب قوله عن ثوابتها بعد 19 مارس 1962، ما جعلها في نظره إدارة للانتهازية السياسية والحكم الفردي في عهد الرؤساء المتعاقبين منذ استقلال البلاد.
رفيق بن مهيدي في الدراسة والمحاور المرن لخصومه
سمحت المنشورات والفيديوهات التي تم تداولها على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي لعدد كبير من المتتبعين بمعرفة حقائق مهمة عن سيرة ومسيرة الشيخ عباسي مدني، وفي مقدمة ذلك نضاله ضد الاستدمار الفرنسي قبل الثورة التحريرية تحت لواء المنظمة الخاصة التي خططت لاندلاع الثورة، وإلقاء القبض عليه بعد 17 يوما عن اندلاع ثورة الفاتح نوفمبر 1954 من طرف الشرطة الفرنسية، أثناء محاولة وضع القنبلة في مقر الإذاعة، من طرف كتيبة المجاهد مرزوقي، كما عرف الجيل الشاب بأن عباسي مدني درس مع أحد أبرز أبطال الثورة التحريرية وهو الشهيد العربي بن مهيدي، ما يؤكد ماضيه النضالي الذي كلفه السجن طوال فترة الثورة التحريرية، في الوقت الذي كان مميزا من ناحية التحصيل الدراسي، ما سمح له بالحصول على درجة الدكتوراه في علوم التربية منتصف السبعينيات، والعمل في قسم علم النفس بجامعة بوزريعة. من جانب آخر، فقد وقف الكثير من المتتبعين على محاورة الشيخ عباسي مدني للجميع بكثير من الاحترام والليونة والمرونة، وفي مقدمة ذلك خصومه ومخالفوه في الرأس، بدليل دخوله في مناقشات مفتوحة مع الوطنيين والديمقراطيين والإسلاميين، وفق أسماء ثقيلة بوزن سليمان عميرات وعبد الحميد مهري والبقية.
وإذا كان الشيخ عباسي مدني يعد ابن جبهة التحرير الوطني، بناء على ماضيه النضالي، ومساهمته في إشعال فتيل الثورة التحريرية، إلا أنه لم يتوان في انتقاد جبهة التحرير الوطني، والكشف عن عيوبها ومآخذها، على غرار ما حدث في بعض جلسات النقاش التي جمعت جميع التيارات مطلع التسعينيات، حيث كان له كلام مباشر خلال جلسة نشطها الراحل سليمان عميرات، حين تساءل قائلا: “هل صحيح بعد 19 مارس 1962 أن جبهة التحرير الوطني هي التي كانت تحكم؟”، مجيبا عن سؤاله قائلا: “أنا لا أعتقد، كل الذين مروا كانوا يسيرون جبهة التحرير الوطني ولم تكمن جبهة التحرير الوطني هي التي تسيرهم، كل الحكام الذين مروا يحكمون باسم جبهة التحرير وفي جبهة التحرير ثم جبهة التحرير التي هي جبهة التاريخ..”، وخلص إلى القول بأن الجبهة الرمزية الأخلاقية الإسلامية الوطنية انتهت بعد 19 مارس 1962، مضيفا أن “الأفلان” كان أداة لتبرير الحكم الفردي في عهد بن بلة وفي عهد هواري بومدين وفي عهد الشاذلي، مشيرا إلى أن هذا التطرف والجبروت لا يتفق مع مبادئ جبهة التحرير قبل 19 مارس 62، وقال عباسي مدني إن جبهة التحرير الوطني كانت رصيد خبرة وجهاد أمة فتحولت إلى انتهازية سياسية، كانت على حساب المبادئ وعلى حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكانت على حساب حرية الجزائر، ما جعله يطالب بوضعها موضع النقد والمحاسبة، وليس الأطراف، اللهم إلا إذا كان الأفراد حسب قوله قد جنوا على جبهة التحرير الوطني.
أحمد قوراية: عباسي مدني نابغة في علم النفس
يؤكد الدكتور أحمد قوراية أنه عرف الأستاذ عباسي المدني في الجامعة سنة 1986، حيث كان أستاذه في علم النفس بالجامعة، وقال الدكتور أحمد قوراية في شهادة له نشرها على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي: “أشهد أنه كان نابغة في علم النفس والتربية المقارنة، وكان يقدرني كثيرا، ودائما يقول لي أنت ابن الأشراف من أبناء يما قوراية، وأجدادك كافحوا من أجل العلم والدين. وأنت سيكون لك مستقبل زاهر وتكون رقما صعبا. وأضاف الدكتور أحمد قوراية قائلا: “كان يهديني كل يوم اثنين كتابا ويقول ينبغي أن تقرأ هذا الكتاب وسأسألك يوم الاثنين القادم لتعطيني ملخصه.. في ذلك الوقت كنت أشعر بالحرج لكن بعدها سرعان ما يزول ذلك الحرج لما أعطي للشيخ عباسي مدني ملخصا شفويا وألاحظ رضاء في تقاسيم وجهه. ولما عرف أني من عائلة ثورية كان يحكي لي عن طغيان فرنسا وهو الذي سرد لي أن العربي التبسي وضعته فرنسا في برميل زيت الشاحنات مغليا ومات مقليا… من ذلك الوقت غرس في نفسي الحقد المدفون ضد فرنسا. وهو الذي علمني هذه الجملة: لا تخن الذي ائتمنك ولو كنت خائنا”.