الجزائر
نجح في تنظيم استفتاء تقرير المصير رغم الضغوط الهائلة

عبد الرحمان فارس… مهندس الانتقال وصاحب المسار محفوف بالصراعات والتهميش

ع. تڤمونت
  • 196
  • 0

تفيد المصادر التاريخية والسجلات الوطنية بأن السياسي والكاتب الراحل، عبد الرحمان فارس، يظل علامة فارقة ومثيرة للجدل في تاريخ الجزائر الحديث، فهو الرجل الذي وُضع على رأس الهيئة التنفيذية المؤقتة عام 1962 لإدارة المرحلة الانتقالية الأكثر دقة وخطورة، وتنظيم استفتاء تقرير المصير، ليكون بذلك الشخصية التاريخية التي تسلّمت مقاليد إدارة الدولة رسميا من السلطات الفرنسية إبان إعلان الاستقلال، وعلى الرغم من حيوية الدور الإداري والدبلوماسي الذي أدّاه في لحظة مفصلية لبناء المؤسسات الأولى للبلاد، إلا أن مسيرته- وفق ما تثبته المراجع والشهادات- لم تخلُ من أزمات سياسية عميقة وملاحقات وإقصاء، تسببت في تواري اسمه لعقود طويلة عن واجهة التكريم والمكانة التاريخية المستحقة.

أول موثق جزائري مسلم

وتشير الوثائق التاريخية وسجلات الحالة المدنية إلى أن عبد الرحمان فارس وُلد ببلدية أمالو بدائرة أقبو التابعة لولاية بجاية في 30 جانفي 1911، ونشأ في بيئة جبلية صعبة لكنه تمكن من متابعة دراسات عليا متخصصة في العلوم القانونية، وتؤكد الأرشيفات القضائية والتاريخية أن اعتلاءه مهنة التوثيق مثّل إنجازا مهنيا نوعيا وكسرا لحظر واحتكار استعماري استمر لعقود، حيث كانت مهنة الموثق محصورة بصرامة على المعمرين والنخب الفرنسية نظرا لحساسيتها وقيمتها القانونية في إثبات الملكيات العقارية ونقل التركات، وبفضل تحصيله القانوني العصامي واجتيازه الاختبارات المعقدة، افتتح مكتبه التوثيقي بالجزائر ليكون بذلك أول موثق جزائري مسلم يمارس هذه المهنة الدقيقة خلال العهد الاستعماري، ولم يكتفِ فارس باستغلال موقعه لخدمة أبناء وطنه وفهم الثغرات القانونية الاستعمارية، بل وظف رصيده النيابي والدبلوماسي في المجلس المالي والنيابي الجزائري للدفع نحو إصلاحات سياسية واجتماعية لصالح الجزائريين ضمن الإطار المتاح آنذاك، قبل أن يتيقن من انسداد أفق الإصلاح التدريجي أمام انسداد سياسة الإدارة الاستعمارية.

فارس في قلب فدرالية فرنسا

ومع اشتداد أوار ثورة التحرير المظفرة عام 1954 وتوسع رقعة العمل المسلح، حسم فارس موقفه النهائي وانضم بفعالية إلى صفوف جبهة التحرير الوطني، بحسب ما توثقه كتب أبحاث الحركة الوطنية، وتكليفا لمؤهلاته القانونية والمالية العالية وشبكة علاقاته الواسعة وخبرته الحسابية، أُوكلت إليه مهمة حيوية وحساسة تمثلت في إدارة وتسيير الموارد المالية العائدة لفدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، وتجهيز اشتراكات العمال المهاجرين وحمايتها بأطر قانونية ومالية محكمة لتأمين التمويل للعمل المسلح والنشاط الدبلوماسي للجبهة في أوروبا، وأدى هذا النشاط السرّي المكثف إلى صدام مباشر مع أجهزة الأمن والاستخبارات الفرنسية التي تتبعت تحركاته المالية، ليتم اعتقاله في عام 1961 ويُودع السجن في فرنسا في ظروف ظالمة، وظل قيد الاحتجاز إلى غاية التوقيع على اتفاقيات إيفيان التاريخية التي نصت على إطلاق سراح المعتقلين السياسيين.

قيادة مرحلة عبور الجزائر نحو الاستقلال

وعقب التوقيع على اتفاقيات إيفيان في مارس 1962، اتفقت الأطراف المتفاوضة على تشكيل الهيئة التنفيذية المؤقتة لإدارة الشؤون العامة للبلاد وضمان سير المرافق العمومية وحفظ الأمن خلال الفترة الانتقالية، وتم اختيار عبد الرحمان فارس لرئاستها من أفريل إلى سبتمبر 1962، بناءً على النصوص الرسمية لتلك المرحلة، حيث واجه فارس خلال هذه الأشهر الستة العصيبة تحديات جسيمة، من بينها اعتداءات المنظمة المسلحة السرية الفرنسية ومحاولاتها إغراق البلاد في الفوضى وتدمير البنية التحتية، ورغم هذه الظروف المعقدة، تؤكد المراجع التاريخية نجاح فارس وهيئته في تنظيم استفتاء تقرير المصير في الأول من جويلية 1962 بنجاح باهر، والإشراف المباشر على نقل السلطة وتسليمها رسميا للمجلس التأسيسي الوطني برئاسة فرحات عباس في سبتمبر 1962، ليدخل التاريخ كأول رئيس هيئة إدارية حكيمة للجزائر المستقلة.

تجاذبات صيف 1962 وعتمة الاعتقال السياسي

غير أن مرحلة ما بعد الاستقلال لم تكن مفروشة بالورود بالنسبة لفارس، بل شهدت مسيرته انتكاسات ومشاكل سياسية متلاحقة نتيجة الخلافات الحادة والانقسامات التي نشبت بين قادة الثورة على طبيعة نظام الحكم والمناصب القيادية، بحسب الدراسات والمذكرات التاريخية المتطابقة، وجد فارس نفسه في صيف عام 1962 وسط تجاذبات حادة وشديدة الخطورة بين المكتب السياسي برئاسة أحمد بن بلة وقيادة الأركان العامة من جهة، والحكومة المؤقتة ومجالس بعض الولايات والتنظيمات السياسية من جهة أخرى، ورغم المحاولات المضنية التي بذلها للحفاظ على حياد الهيئة التنفيذية وتأمين مؤسسات الدولة الجديدة من الانهيار أو الانزلاق نحو حرب أهلية، إلا أن حدة الصراع الإيديولوجي والعسكري أضعفت موقعه السياسي وجعلته هدفا لاتهامات متقاطعة من أطراف النزاع.

وبعد حسم الصراع وتأسيس نظام الحزب الواحد برئاسة أحمد بن بلة، أعلن فارس بوضوح معارضته للتوجهات السياسية والنهج الاقتصادي والسياسات الانفرادية المتبعة، مما أدى إلى تصاعد التوتر بينه وبين السلطة الجديدة، وتفيد الأرشيفات والشهادات الموثقة بأنه في صيف عام 1964، تحديداً في شهر جويلية، جرى اعتقاله بشكل مفاجئ واقتياده إلى السجن، حيث قضى عدة أشهر رهن الاعتقال السياسي دون محاكمة علنية أو توجيه تهم رسمية شفافة، وهي التجربة التي تركت أثرا عميقا في نفسه، ولم يُطلق سراحه إلا عقب التغيرات السياسية الجذرية التي شهدتها البلاد في 19 جوان 1965 إثر حركة “التصحيح الثوري” التي قادها وزير الدفاع وقائد الأركان آنذاك هواري بومدين والإطاحة بنظام أحمد بن بلة.

رحيل هادئ في زموري وإرث تاريخي متجدد

وعقب خروجه من الاعتقال، اتخذ عبد الرحمان فارس قرارا نهائيا بالابتعاد الكلي عن الممارسة السياسية المباشرة وعن أي نشاط حزبي، وفضّل الاستقرار في العاصمة والعودة لممارسة مهنته الأصلية في التوثيق القانوني بعيدا عن أضواء السلطة، وعلى امتداد عقود، تعرض مساره التاريخي للتجاهل والتهميش الإعلامي والسياسي الرسمي، حيث قلما كانت تُذكر مساهماته في بناء الدولة الانتقالية أو دوره في فيدرالية فرنسا ضمن الأدبيات التاريخية الرسمية للبلاد.

وفي عام 1982، كسر عبد الرحمان فارس صمته الطويل وأصدر كتاب مذكراته الشهير المكون من شهادات تاريخية دقيقة حول محطات الثورة والتجاذبات السياسية المعقدة التي رافقت ميلاد الدولة الجزائرية، محاولا من خلاله تقديم روايته التوثيقية للأحداث دون مواربة وإماطة اللثام عن العديد من الحقائق المسكوت عنها، وتوفي عبد الرحمان فارس ببلدية زموري التابعة لولاية بومرداس عن عمر ناهز الثمانين عاما.

محول بيزيو بحوض الصومام… نصب يستحضر الذاكرة

وفي سياق رد الاعتبار للرجل وتخليدا لذكراه، تشهد، هذه الأيام، منطقة الصومام بولاية بجاية، مساعي حثيثة وتحضيرات ميدانية كثيفة، حيث تتواصل الأشغال وأعمال التهيئة التي تشارك فيها المصالح التقنية ومصالح الأشغال العمومية لتجهيز الموقع المقرر لتدشين نصب تذكاري مخصص للراحل عبد الرحمان فارس بمحول بيزيو بالقرب من مسقط رأسه، لتكون هذه المبادرة خطوة رمزية لإنصافه واستذكار دوره المحوري في تاريخ الجزائر المعاصر.

مقالات ذات صلة