الرأي

عبد القادر فراح: هذا ما فعله ضدي الوزير بوعلام بالسايح والوزير المغربي علال سيناصر

عمر أزراج
  • 1798
  • 1

كان حلم الفنان عبد القادر فرَاح أن يساهم بقسط وافر في قيادة عملية تأسيس المسارح الحديثة ذات الطابع العالمي في الجزائر للمواهب الشابة وللأطفال الموهوبين عبر القطر وتكوينهم تكوينا متطورا وفق المناهج، والتقنيات، والأساليب الأكثر تقدما وحداثة في عالمنا المعاصر، وتأهيلهم ليكونوا في المستقبل النواة الصلبة لمسرح جزائري ذي مستوى عالمي. لقد حدثني فرَاح كثيرا عن هذا الحلم الأخضر والشاسع، واقترحت عليه أن يقوم بزيارة للجزائر ليعرض تجربته وخدماته على وزير الثقافة حينذاك وهو بوعلام بالسايح وعلى مدير المسرح الوطني مصطفى كاتب فأبدى الحماس والموافقة.

 ورأيت  في عينه بحيرة الأمل تلمع وتتسع، وهنا سألته عن “الشيء المميز” الذي  يمكن أن يقدمه للمسرح الجزائري بشكل خاص وللمسرح العربي بشكل عام من أجل النهوض والارتقاء بحياتنا المسرحية والفنية إلى الآفاق العالمية، وبهدوئه المعهود فيه قال لي: “في الغرب تمكنت من بلوغ مستوى يتميز بالكيف، ويعود ذلك لكوني كنت أمارس عملي في أحد عشر بلدا غربيا، وأسيويا، وأصارحك أنني حاولت، وما أزال أحاول أن أقدم ولو نسبة 5 بالمائة من تجربتي الفنية للعالم العربي. ماذا يمكن أن أقدمه؟ سأقوم، مثلا، بتكوين وتدريب المواهب العربية الشابة، وكل من يحتاج إلى الصقل والتعميق، وبتنظيم الملتقيات والحلقات الدراسية العلمية للمصممين، والممثلين، والمهتمين بالتقنية المسرحية، والمعمار المسرحي، وأعني بذلك بناء مسارح جديدة بعد التخطيط لها، والقيام بتحسين المسارح الموجودة، وتأسيس المسرح التجريبي الذي سيساعد على تحديد وإغناء الهوية الثقافية لكل بلد عربي، وسأسعى لإنشاء مجلة دورية مختصة في العروض المسرحية وبكل ما له علاقة بالفن المسرحي وآفاقه، وستكون متميزة بالحس العملي. وفضلا عن ذلك سأقوم بإعادة النظر في الدراسة المسرحية التي يواصلها طلابنا في الخارج، وفي مستوى الشهادات، وسأعمل على تأسيس التعليم الفني للأطفال الصغار وإصدار كتب بهذا الخصوص. هذا هو مشروعي بشكل مختصر، وهو يمس أهم القضايا الثقافية ذات البعد الفني المسرحي”.

بعد هذا العرض الأولي الذي قدمه لي فرَاح عن غاياته وأهدافه لمَحت له أن مشروعه هذا كبير ومهم بلا شك، ثم َسألته عن الخطوات التي سيقوم بها لكي يحققه في بلداننا؟: “في الغرب نجد التشريع يسعى إلى تطوير وتنمية آليات الثقافة، وفي العالم العربي نرى وزراء الثقافة يأتون ويذهبون، أما التشريعات الثقافية فتلعب دور (المكبح)، والهدف هو التجميد، والرقابة، أو كوارثهما معا. لقد لاحظت وجود عمليات تفتيت طاقات الشباب والكبار معا، وغياب التواصل، وعدم إعطاء الأهمية للأسبقيات الثقافية. فالتناقض في البلدان العربية يشبه أمرا بدائيا صادرا عن البيروقراطيين الذين يجهلون كل شيئا له علاقة بالآليات الثقافية.

أما الحلقات الدراسية والملتقيات التي تتم في العالم العربي فتتسم بذوق مريض، حيث أنهم يلجؤون إليها لتضييع الوقت وذلك لأنها غير عملية، بل أصبحت فرصة للكلام العقيم، وهي أشبه ما تكون بالشجرة التي تخفي غابة من الوقائع المخجلةإنها وهم من أوهام النشاطات الثقافية، ولهذا السبب نجدها متعددة ودائمة في العالم العربي. لقد سألتني عن الخطوات التي ينبغي أن أقوم بها لكي أجعل بلداننا تستفيد من تجربتي، وبهذا الخصوص؛ فإنني أقدم لك مجموعة من الحالات النموذجية السلبية التي عاقت جهودي ومبادراتي مع الأسف: لقد تعوَد والدي على اقتباس الحديث النبوي الشريف القائل: (أطلب العلم ولو بالصين) ذلك الحديث الثوري الذي منح للإسلام، وللحضارة حساسية التسامح، والحوار، والتجديد، والتواصل مع الثقافات الأخرى، ولكن الأشياء يمكن أن تكون الآن مختلفة.

فالحالة الأولى قد حدثت لي في عام 1988، حيث كان بالإمكان نشر مقال مرفق بالصور الفنية حول أعمالي، وتجربتي التي أنجزتها في إطار فرقة شكسبير على صفحات الملحق الأسبوعي لجريدةالشرق الأوسط، ولكن ممثل الجريدة الذي ألح علي كثيرا في البداية؛ وأعتقد أنه كان يعمل في قسم الأرشيف حدَق في الصور الفنية التي رسمتها وصممتها، ثم قال لي بسرعة، إن نشر رسوم ولوحات ملوك إنجلترا الستة أمر مستحيل، وحجته أن هؤلاء الملوك أظهروا برموز ملكية ودينية مسيحية.

 وهكذا رفضت رقابته نشر تصاميمي. لأن الرقابة ليست من عاداتي فقد أجبرت أن أسقط مشروعي مع جريدة (الشرق الأوسط). فماذا يحصل لو طبقت إسبانيا ما فعله مندوب الشرق الأوسط معي، على جميع الخطوط الإسلامية المنقوشة على جدران قصر الحمراء؟ وماذا يحصل لو رأينا المتاحف والمكتبات الغربية الشهيرة (تسوَد) وتهشم مقاطع من المراجع الإسلامية سواء كانت مخطوطات عربية، أم فارسية؟ هنالك حالة الجزائر أيضا، حيث اتصلت في عام 1987 بوزير الثقافة الجزائري إذ ذاكبوعلام بالسايحوفريقه، علما أنني قمت بعدة اتصالات من قبل ولكن لم أحصد سوى الوعود البراقة، وبسبب ذلك ضيعت شهورا في اختبار تلك الوعود من دون جدوى، وما أزال في حالة دهشة، وأتساءل كيف تمكّن بعض المحترفين الجزائريين من القيام بأعمال فنية مهمة في ظل تلك الوضعية المحبطة؟

زرت الجزائر واستقبلني وزير الثقافة المذكور وعرضت عليه مشروع تطوير المسرح الجزائري وكذلك إنشاء مسارح مركزية وجهوية خاصة بالمواهب من الشبان والأطفال وتكوينهم تكوينا حديثا وفقا للمعايير العالمية في مجالات التمثيل، والتصميم المعماري المسرحي فضلا عن الإخراج، واستخدام الديكور، والموسيقى، والاقتباس، وغيرها من المجالات.

وعندئذ أبدى الاهتمام والرغبة. هكذا اتفقت معه أن أعود إلى بريطانيا لكي أجلب منها الوسائل الكفيلة والأكثر حداثة، والتي هي من الطراز العالمي، لإنجاز مثل هذا المشروع الكبير، ولما وصلت إلى لندن قمت بشراء كل اللوازم المطلوبة ودفعت ثمنها من جيبي وهي مكلفة حقا. بعد القيام بهذه المهمة عدت ثانية إلى الجزائر وقابلت الوزير بوعلام بالسايح من جديد، وتحدثنا طويلا عن الغايات الكبرى التي كنت أنوي تجسيدها ميدانيا ونظريا، وتركت تلك الوسائل التي اشتريتها عنده على أساس أن أسترجعها حينما أنطلق في مشروعي. لقد أرسلني الوزير بوعلام بالسايح إلى مدير المسرح الوطني حينذاك مصطفى كاتب وأخبرني أنه بانتظاري لأوقع معه على عقد العمل فذهبت إليه واستقبلني هذا الرجل وتبادلنا الحديث، ومن بعد أخرجعقد العملوطلب مني أن أقرأه وأوقعه إذا وافقت على بنوده.

 هنا بدأت في قراءة تلك المدونة العجيبة وكان مضمونها العام أن أقوم بهذا العمل وذاك العمل الآخر وعددا من الأعمال الأخرى وهلمَ جرَا، وكانت خاتمة ذلك العقد شؤما وقطرانا وتنص على أن مرتبي الشهري هو 4000 دينار جزائري، أي ما كان يعادل في ذلك الوقت 25 جنيها استرلينيا وهو مبلغ لا يكفي لشراء (حبلا ذكيا) لأشنق به نفسي. ابتسمت قليلا بدبلوماسية بعض شخصيات شكسبير التي ابتكرها وتظاهرت أنني سأوقع على العقد فيما بعد، ولما فهم أنني غير راض حاول أن يغير دفة الحديث باتجاه آخر. جمعت نفسي واستأذنت منه فانصرفت ورافقني إلى الباب الخارجي وقال لي: “لا شك أننا سنعمل معا شيئا مهما لمسرحنا الجزائري، واكتفيت بلفظ عبارةإن شاء اللهمرتين، ثم غادرت باتجاه الشارع المغطى بالزحام، وبعد أيام عدت إلى لندن وتركت ورائي الأمل مذبوحا ومعه الوسائل التي اشتريتها والتي أصبحت من أملاك وزير الثقافة إلى يومنا هذا“.

 نظر فرَاح في وجهي وغمامة الحزن تغزو عينيه وواصل الحديث: “وفيما يتعلق بمصر؛ فإنني ذهبت إليها في عام 1989، من أجل اختبار مقترح مصري عرض علي لتعييني كمستشار في الشؤون المسرحية. لقد تزامنت هذه الدعوة مع دعوة أخرى من قبل معهد (الجيزة) للمسرح، وذلك لكي أقوم بحلقة دراسية عملية حول التصميم المسرحي الشكسبيري، والخلاصة أنني وجدت انعدام الجدية، الممزوجة بالعسل والحليب الشفويين“.

بعد سرد فرَاح لتفاصيل لعنة الفراعنة التي لحقته في مصر رأيته يعصر جبينه وكأنه بصدد مسح لعنة أخرى أصابته في المغرب الأقصى: “لقد كانت مغامرتي التالية في المغرب. ففي نهاية عام 1992 التقيت بوزير الثقافة المغربي السيد علال سيناصر، وأراد مني أن أشرف على ترقية مشروع مغربي مقتبس من عمل مسرحي أنجزته سابقا بإدنبره باسكتلندا، وانخرط فيه عشرات الآلاف من الأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين خمس وعشر سنوات، وقاموا بتنفيذ التصاميم التي أنجزتها بنفسي لقصة مسرحية خرافية، وذلك لتمثل من طرف الممثلين المحترفين. كانت النتائج في ادنبره انتصارا ذا مستويات ثلاث: المستوى التربوي، والمستوى السينوغرافي (فن تصميم المشاهد)، والمستوى الخاص بالفعاليات الثقافية داخل آلاف العائلات. بعد توقيعنا في المغرب على عقد العمل لإنجاز المشروع، وكان عن الطرف المغربي السيد (عزيز سغروشني) وبمباركة وتزكية من الوزير علال سيناصر، ونص الاتفاق على أن ينجز المشروع خلال سبعة أشهر. وهكذا منحت كل وقتي طوال هذه المدة، وسخرت إمكانياتي الثقافية والفنية لهذا المشروع، وتركت جانبا كل العروض التي قدمت لي من جهات ومؤسسات غربية، وأعلمت المسؤولين بوزارة الثقافة المغربية بكل ذلك مقدما. وفقا للعقد الموقع كان مفترضا أن أتسلم المبلغ المتفق عليه بالاقساط على مدى سبعة أشهر وكان مفترضا أيضا أن يتم إنجاز المشروع في هذه المدة المحددة. أريد أن أذكَر؛ هنا بأنني قمت بإرسال كمية كبيرة من التسجيلات التي قمت بها وتقريرا يتكون من 16 صفحة حول مقر يتضمن مسرحيين في مراكش، ولخصت فيه ما ينبغي أن يعدل، أو يغيَر، ولم أتلق إلى الآن أي خبر عن ذلك التقرير.

وبعد توقيع الاتفاق بشهرين بدأت الفوضى إذ لم يتم الإعداد للعمل من طرفهم، ولم يرسلوا إليَ الجزء المالي المتفق عليه. لقد تصرف الأمين العام لوزارة الثقافة المغربية السيد إدريس إسماعيلي العلوي وكأن توقيع مدير المسرح المغربي لا يعني شيئا. والأدهى والأمر هو أن وزير الثقافة لم يجب عن جميع مراسلاتي بخصوص المشروع، ولم يدفع لي حقوقي المالية. قبل نهاية الشهر السابع قمت بعدة محاولات لتوضيح وضعي لدى مستشار العاهل المغربي، طالبا منه أن يساعد على حل المشكلة، ولكنني لم أتلق إلا الصمت، وعند اقتراب موعد نهاية العقد لم ينجز المشروع، ولم أتلق حقوقي، وهكذا خدعت في وقتي الغالي، وفي حقوقي، على مدى سبعة أشهر كاملة. وبعد سنة أرسل إلي الأمين العام لوزارة الثقافة عقدا جديدا عن طريق الفاكس، ووعد بدفع حقوقي، وعند اقتراب موعد نهاية العقد لم ينجز المشروع، ولم أتلق إلى هذه اللحظة سوى خمسة عشر بالمائة من المبلغ المتفق عليه رسميا. أوضح هنا أنني لم أتصل بعد ذلك بوزير الثقافة المغربي الجديد لحل المشكلة العالقة منذ زمان، ويمكنني أن ألخص هذا الوضع بمقطع اقتبسه من مسرحية موليير (دون جوان): (النفاق موضة، وكلَ الموضات تعامل مثل القضية).

مقالات ذات صلة