الجزائر
فقر مدقع وظروف مزرية

عجوز وابنتاها المعوقتان يقضيان رمضان داخل زريبة

الشروق أونلاين
  • 17520
  • 94
الشروق

لعل أبرز ما عشته “الشروق اليومي”، في أول يوم من الشهر الفضيل، هو المشهد الدراماتيكي، الذي صنعته عجوز في التسعينيات من العمر، تقيم بداخل كوخ لا يليق ببني البشر، رفقة ابنتيها المعاقتين في العقد الرابع من عمرهما.

هذه الصورة المأساوية التي تحمل كل معاني البؤس والحرمان والتهميش عشناها، في زيارتنا لتفقد تلك العجوز بعد نداء وصلنا من طرف فاعلي الخير، بحيث لم ننتظر طويلا خاصة إذا تعلق الأمر بعائلة بعيدة عن أعين من أوكلت لهم مهام تفقد رعياهم البؤساء والمحرومين إن لم نقل المعذبين فوق الأرض ينتظرون يوم العرض محاسبة منهم السبب في تعاستهم أمام الخالق وما أكثرهم بولاية اسمها سعيدة والعكس صحيح،  حيث تعيش العجوز زهرة التي تعاني وضعية صحية متدهورة للغاية افقدها نوعا من البصر خصوصا وإنها وحيدة ولا معيل لها، تعيش على هامش قرية مولاي التهامي التابعة للمجلس المنتخب لبلدية سيدي بوبكر ورئيس دائرتها بـ15 كلم فقط وليس بعيدا عن مقر والي سعيدة سوى بـ 45 كلم. والغريب في الأمر ونحن نتفقد تلك العائلة، عندما بدأت تسرد لنا الأم زهرة محطات تاريخية، بقولها: “هل طردنا فرنسا لكي نعيش في هذه الحالة؟  “. 

 في أول الأمر العجوز طنت أننا مسؤولون نمنح السكن والأكل والشرب، حيث أفرغت ما في قلبها، وصرخت “هناك من يعيش في العلالي وينشر مائدة طولا وعرضا من المأكولات وآخر يفترش كرطوناً ليتقاسمه مع الجرذان في شهر الرحمة والغفران”… وزاد في تأثر العجوز زهرة لبني البشر وما يعانوه في بلد العزة والكرامة، تقول “لقد فقدت ذوق الحياة وأراها مرّة أمامي وأنا هنا مرمية بهذه الزريبة يتوسطها كوخ.. الموت أهون من العيش تحت هذا الحرمان وأرى هاتين المخلوقتين في هذه الحالة والهم الأكبر لا أستطيع فعل أي شيء لهما والصورة أمامكم، فهذه البنت الكبرى سعدية معوقة وبكماء لا تستطيع المشي منذ والدتها وهي في الأربعين لا تبرح الأرض، والأخرى فتوح، بنفس معاناة سعدية يتجاوز عهرها 43 سنة.

 ومع أن الحديث مع العجوز الأم زهرة كان قاسيا صراحة وأثر كثيرا في معنوياتنا وهي تسرد همومها المتعبة بعد سنوات عذاب، خاصة عندما طلبت منا تقديم لها الخبز تقوت به فلذات أكبادها اللتين لا تعرفان حتى شهر الصيام لأنهما صائمتان طول الدهر، حاولنا قدر المستطاع عدم حبس دموعنا التي تهاطلت من المشهد المروِّع للحالة التي وقفنا عليها أمام تلك العائلة، بحيث لم تر العجوز دموعنا، لأن ببساطة الأم زهرة ناقصة النظر زاد من متاعبها من هذه الحياة البائسة.

العجوز تستصرخ ضمائر المحسنين، والمسؤولين المحليين، انتشالها من الجحيم، خاصة ونحن في شهر الرحمة والتضامن والتآخي والمغفرة؛ ففي الوقت الذي يتهافت البعض في شهر الرحمة والتوبة على التبذير واللهفة من اجل إرضاء للبطن. خالتي زهرة قدَّمت تضحيات كبرى خلال ثورة التحرير التي سقط فيها شهداء الواجب، لكنها ترى بأن كل تلك التضحيات ومن ذهبوا من اجل هذا الوطن بات مجرداً من الماضي، حيث قالت وهي تنهي حديثها معنا: “…كاين ربي الفوق يشوف والحمد لله…” متسائلة: “..أين هي الإنسانية؟… ربي لا يحب هذا الظلم بأولادي…”، موجهة نداء للسلطات بسعيدة وللمنتخبين ببلدية سيدي بوبكر ودائرتها، أن تحن قلوبهم على هذه العائلة المعوقة جسديا واجتماعيا بالتكفل بهم ومنحهم سكناً يحمي كرامتهم.

 

مقالات ذات صلة