عرسان يُرفضون بسبب مهنتهم أو لون بشرتهم
يعد قدوم خاطبين للفتاة حدثا سعيدا تنتظره العائلة بأكملها ولحظات هامة تعيشها الفتاة بكل جوارحها استعدادا لتطليقها حياة العزوبية، غير أن ما يعكر صفو هذه اللحظات هو التحقيقات الأولية التي يشرع فيها أهلها والمقربون منها، والتطلع الدائم لمعرفة مهنة العريس وكل ما يتعلق بحياته اليومية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لتكون الصدمة كبيرة إذا ما تم رفضه لأسباب واهية منها اختلاف لون البشرة أو طبيعة عمله، لتدخل الفتاة في أزمة نفسية في حال تعسف أهلها وتمسكهم برفضهم.
يعتقد العارفون بخبايا المجتمع الجزائري أن هناك تغييرات شاملة في المفاهيم والأفكار المترسخة فيه وقد بدا لهم حاليا أكثر استقلالية وحرية عن ذي قبل، غير أن المعاناة التي لا يزال يرزح تحتها بعض أفراده كون رياح التغيير التي هبت عليه لم تشملهم جميعا زادت من صلابة رأيهم، خاصة فيما يتعلق بالخِطبة والزواج لأنهما أهم دعامة في تكوين المجتمع لا زالا يسيران وفق أهواء الأهل، غير أن الأبناء وحدهم من يدفعون ثمن القرارات التعسفية والارتجالية.
تقول لنا “فريدة” 29 سنة، متحصلة على شهادة ليسانس في علم الاجتماع” عن مأساتها: “تقدم لخطبتي شاب يكبرني بـ5 سنوات، موظف ينحدر من إحدى ولايات الجنوب، يتمتع بأخلاق عالية ومشهود له بحسن السيرة والسلوك من قبل الجميع، وكنت مسرورة جدا فحددت عائلتي موعدا لمقابلة العريس وعائلته والتعرف عليهم، وعندما قصدوا بيتنا رفض والدي الحديث إليهم وطلب منهم المغادرة فورا فـ”ليس لديه بنات للزواج”، ولما حاولت والدتي معرفة السبب أخبرها أنه أسمر البشرة ولا يريد أن يختلط عرقه الأبيض بالسود.
بكيت كثيرا واستعنت بإمام المسجد الذي أكد له أن تصرفه حرام وذكره بحديث النبي صلى الله عليه وسلم “لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى” لكنه بقي متعنتا ومتمسكا بقراره العنصري البغيض.
وإذا كان والد الفتاة السابقة قد اعتبر لون البشرة سببا للرفض، فقد وجد والد “آمال” أن مهنة عريس ابنته فيها خطر كبير على حياتها الزوجية ويخشى أن تترمل في عز شبابها، حيث تصرح لنا “آمال ” 21 سنة قائلة: “لم أوفق في دراستي الثانوية ولم أتمكن من الحصول على شهادة البكالوريا والمرور إلى الجامعة مثل شقيقاتي، فمكثت في البيت أنتظر فارس الأحلام.
وبعد طول انتظار جاء شاب في الثلاثينات من العمر متدين، ويملك مسكنا، غير أن والدي وإخوتي رفضوه لكونه يعمل في الحماية المدنية وهي المهنة التي اعتبروها خطيرة جدا وستجعلني عرضة لفقدانه والترمّل في سن مبكرة، ورغم أن أعمامي وأخوالي سعوا لشرح الوضع لوالدي فالموت قدر ولا يوجد من يفر من قدره لكنهم حسموا أمرهم بالرفض”.
ولكون الحكايات كثيرة ومتشابهة لكن الغريب فيها أن ضحاياها من الجنسين، فـ”سليمان” تاجر، رغب في خطبة فتاة من عائلته إلا أن والده أبى ذلك بشدة وهدده بطرده من المنزل بل وحرمانه من نصيبه في الميراث في حال صمم على جلبها للبيت، فوالدها معروفٌ بسوء سمعته وإدمانه للخمر وعلاقاته المشبوهة مع النساء وهو يخشى على عائلته الصغيرة أن تتلوث بصهر يأتي المنكرات ولا يخاف الله.
مضيفا “أعرف أن الفتاة بعيدة تماما عن سلوكات والدها المتهورة وغير المسؤولة لكنها ضحية أخرى من ضحاياه”.
وكان الإسلام قد حدد المواصفات التي يستند عليها الأهل والفتاة في انتقاء الشريك المناسب، من خلال قاعدة بسيطة لقوله صلى الله عليه وسلم “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. قال يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال إن جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه ثلاث مرات” من سنن الترمذي.
غير أن المثير من مسلمي اليوم يعرضون عن هذه القاعدة النبوية الذهبية ويقبلون على أمور الدنيا فتكون عاقبتهم الحسرة والندامة، وما ارتفاع معدلات الطلاق في بلدنا من سنة إلى أخرى إلا نتيجة مريرة للبُعد عن سنة نبينا في اختيار الزوج أو الزوجة.