عرش إنفانتينو على المحك
شهدت أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم خلال الساعات القليلة الماضية واحدة من أعنف الأزمات السياسية والإدارية في تاريخه الحديث، بعد تراجع الرئيس جياني إنفانتينو رسميا عن مشروعه المثير للجدل القاضي بإنشاء شركة تجارية يمتلك فيها مستثمرون أجانب حصة تصل إلى 20% من حقوق تنظيم وتسويق كأس العالم والبطولات الكبرى. هذا التراجع الاضطراري لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل كان حيلة لتفادي انفجار المنظمة الكروية الأكبر في العالم.
كانت الخطة ترتكز على تأسيس كيان مستقل بقيمة استثمارية تُقدر بـ20 مليار دولار، تبيع “الفيفا” من خلاله حصة أقليّة لمستثمرين بـ4.2 مليار دولار، وحاول إنفانتينو إغراء الاتحادات الوطنية الـ211 بمنح حوافز مالية ضخمة تصل إلى40 مليون دولار لكل اتحاد يدعم المشروع، إلا أن الأطراف المعارضة اعتبرت الخطة محاولة لمنح المشروع لجهات استثمارية خاصة، همها الوحيد السيطرة على الرياضة الأكثر شعبية في العالم لأغراض قد تكون سياسية.
ولم يسبق لـ”الفيفا” أن واجهت تكتلا قاريا بهذا الحجم؛ إذ شكل الرفض حلفا لا يمكن الاستهانة بقوته السياسية والكروية وقاد الاتحاد الأوروبي جبهة الرفض بالتصويت بالإجماع (55 دولة) على مقاطعة شاملة لجميع مسابقات “الفيفا” بما فيها كأس العالم، وشاركه اتحاد الكونكاكا برفض قاطع للمشروع واعتباره مساسا بشرعية اللعبة وبنيتها الهيكلية، في حين أعلن الاتحاد الآسيوي التضامن الكامل مع هذا الموقف لغلق الباب أمام تمرير العرض.
ومع تشكيل جبهة تضم أكثر من136 اتحاد وطني رافض، بات تمرير المشروع قانونيا عبر الجمعية العمومية حلمًا مستحيلا، أمام صمت غير مفهوم من الإتحاد الإفريقي لكرة القدم “الدمية” التي يستعملها أنفانتينو دائما من أجل تمرير مشاريعه.
الضربة القاضية لم تأتِ من خارج أسوار “الفيفا” فحسب، بل من أرفع مستشاري إنفانتينو والمسؤولين التنفيذيين؛ إذ أعلن المستشار البارز والخبير المصرفي كارلوس كوردييرو استقالته فورا، مشيرا إلى أن الصفقة “ترهن مستقبل كرة القدم وتبيع أغلى أصولها”.
كما خرج رئيس العمليات كيفن لامور بتصريحات حادة كشف فيها أن المشروع “مبادرة فردية من إنفانتينو”، مؤكدا أن الموظفين تعرَّضوا للتضليل ولا ينبغي التضحية بشرعية المؤسسة من أجل طموحات شخصية.
تفتح هذه الأزمة الباب على مصراعيه أمام مرحلة جديدة من الصراع السياسي داخل “الفيفا”؛ فبعد سنوات من الهيمنة المطلقة، أثبتت الأزمة أن القوى القارية وخاصة الأوروبية والأمريكية الشمالية لا تزال تملك “فيتو” حقيقيا قادرا على كسر قرارات إنفانتينو.
كما تزايدت الأصوات المطالبة بإنهاء حقبته، وسط أنباء عن تحركات من رئيس الكونكاكاف فيكتور مونتالياني لدراسة الترشح لانتخابات “الفيفا” المقررة عام 2027، بينما سيضطرُّ “الفيفا” إلى العودة للنموذج التقليدي في إدارة الحقوق التجارية والتلفزيونية، مما يجعل خطط توسيع البطولات وتوزيع المنح تحت ضغوط مالية جديدة.