العالم
الشروق تفتح ملف اغتيال أبو عمار في الذكرى السنوية الثامنة لاستشهاده

عرفات لمقربيه قبل وفاته: إنهم يريدون التخلّص مني

الشروق أونلاين
  • 11018
  • 13
ح/م
الراحل ياسر عرفات

عندما دخل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، “أبو عمار ” بصحبة وزير الخارجية الجزائري، والرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، في العهد البومديني الذهبي للجزائر دوليا عام 1974 الجمعية العامة للأمم المتحدة، وخاطب عرفات العالم بمقولته الشهيرة: “إنني جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي.. الحرب تندلع من فلسطين، والسلم يبدأ من فلسطين”.

يقول قاضي قضاة فلسطين الشيخ تيسير التميمي لـ”الشروق اليومي” نقلا عن عرفات قبل نقله إلى باريس لتلقي العلاج في آخر حديث دار بينهما “إنهم يريدون أن يتخلصوا مني”.

ويضيف التميمي الذي لحق بعرفات في باريس، بعدما دخل في غيبوبة للقيام بالواجبات الدينية من غسل جسده وتكفينه، “كان عرفات في العناية المكثفة في حالة صعبة للغاية وينزف الدم من وجهه وأجزاء كثيرة من جسده نتيجة التميع الشديد الذي أصاب دمه، وكما عرفت من الأطباء أن السم خطير بالدم ويحدث تميعا بالدم”.

التميمي اعتبر أنه غُيّب من المشهد الرسمي بقرار تقاعد مبكر بـ 12 عاما قبل سن التقاعد، بسبب علاقته الوثيقة بعرفات، يقول: “أنا أزمتي مع القيادة الجديدة بسبب علاقتي الوطيدة مع ياسر عرفات، ومواقفي بعد اغتياله“.

التميمي استغرب التأخير في التحقيق بوفاة عرفات، معتبرا أن قتل ياسر عرفات هو مؤامرة دولية نفذتها أمريكا وإسرائيل. وطالب التميمي القيادة الفلسطينية أن تقوم بتحقيق جاد منذ لحظة استشهاده، وأن ترفع الأمر إلى مجلس الأمن الدولي لتشكيل محكمة دولية للتحقيق في هذه الجريمة وتقديم قتلة ياسر عرفات للمحاكمة، على غرار المحكمة التي شكلها مجلس الأمن للتحقيق في مقتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.

وأوضح هناك اعترافات إسرائيلية، ومن قرر قتل ياسر عرفات معروف هو شارون و موفاز وباراك وتصريحاتهم موثقة بأنه يجب التخلص من عرفات.

وكشف التميمي أن رئيس لجنة التحقيق السابق عبد الجواد صالح، قال خلال مشاركته مع أغلب القيادة الفلسطينية خلال إحياء مؤسسة ياسر عرفات، ذكرى استشهاده الثامنة أول أمس، أنه طلب من السلطة التحقيق مع كل من كانوا يحيطون بعرفات إلا أن السلطة رفضت هذا الطلب”. وعندما سألنا التميمي هل تعتقد المسار السياسي تغير بعد وفاة عرفات، أجاب: “100 %، الرئيس ياسر عرفات كان يحافظ على الثوابت الفلسطينية والوحدة الوطنية كخط أحمر، وهي أهم التحديات أمام المخطط الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية، لذلك تخلص الاحتلال من عرفات حتى يتمكن من تصفية القضية الفلسطينية”.

.

دويك: عدم جدية تحقيق السلطة خطأ تاريخي لا يغتفر

من جهته انتقد رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، والقيادي بحركة حماس الدكتور عبد العزيز دويك، بشدة استمرار عدم استيفاء التحقيق في ظروف وفاة القائد الكبير عرفات، مضيفا “نحن ننتظر النتائج الكاملة لما جرى، ومن هم المسؤولون والمتسببون في الاغتيال الذي أساء لمجموع الشعب الفلسطيني”. واستغرب دويك الاستمرار في نهج أوسلو المذل والمفرط في ثوابت الشعب الفلسطيني بعد اغتيال عرفات، مؤكدا أنه لا يوجد فلسطيني واحد راض عن اتفاقيات أوسلو، التي أعطت الاحتلال كل شيء ولم تمنح الفلسطينيين سوى وعدا بدولة.

وأوضح دويك لـ”الشروق” أن المجلس التشريعي لم يُمنح فرصة لممارسة عمله بسبب اعتقال الاحتلال لأكثر من 43 من نوابه، فضلا عن منع السلطة النواب ورئيسهم من الدخول للمجلس التشريعي وممارسة دورهم الرقابي، ومحاسبة المسؤولين عن ملفات الفساد وأن هذا المنع مازال مستمرا. وعن أسباب تغييب “أبو عمار” عن المشهد السياسي الفلسطيني، قال دويك: “إسرائيل ومن يدور في فلكها تحاول أن تغيب كل من يقول لا للمشاريع الاحتلالية، والرئيس الشهيد قال لا كبيرة، لدرجة أن الدول العربية وحتى حلفاء السلطة لم يتصلوا بعرفات وهو محاصر في المقاطعة، وتخلى عنه القريب والبعيد”. وأكد دويك أن تقصير السلطة في التحقيق حول اغتيال عرفات كبير للغاية بعد 8 سنوات، ولا يستطيع أحد أن يبرره أو إن يدافع عنه، تقصير يرتقي لدرجة الخطأ التاريخي الذي لا يغتفر.

.

مهنا: عباس وفريقه لم يتأثروا باغتيال عرفات

بدوره قال عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية الدكتور رباح مهنا الرئيس أبو عمار بعد أن قام بعدة تنازلت ثم أوقفها في كامب ديفيد الثانية وتفجير الانتفاضة الثانية، عندئذ اتخذت إسرائيل قرارا بإنهاء عرفات بداية من حصاره سياسيا، ثم حصاره جسديا وبعد ذلك اغتياله بالسم حسب اعتقادي وأن الأمر تم بموافقة أمريكية”. واتهم مهنا السلطة الفلسطينية بأنها لم تعالج اغتيال عرفات بطريقة جدية، لأن مقتله ليس أقل أهمية من قتل رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.

وأضاف مهنا لـ”الشروق”: السلطة الفلسطينية برئاسة منظمة التحرير لا تأخذ موضوع التحقيق في اغتيال عرفات بالجدية المناسبة، رغم أننا في عالم صغير تفرض فيه الحقائق نفسها”. وبيّن مهنا أن نهج الرئيس الحالي محمود عباس، وفريقه السياسي “لم يتأثر باغتيال أبو عمار ولا مجزرة جنين ولا باجتياح الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان فيها، ولا بالحرب على غزة وحصارها، لذلك الرئيس أبو مازن واهم بأن المباحثات مع إسرائيل برعاية أمريكية قد تأتي بنتيجة بعد 18 عاما من المفاوضات العقيمة“.

وفاة عرفات شغلت الرأي العام العربي والدولي والنخب الكبيرة حيث اعتبر الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، في حوار مع قناة الجزيرة عام 2005 أن وفاة عرفات لا يمكن تكون طبيعية، وصعب جدا أن تكون طبيعية خصوصا بعد أن اتخذ مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، قرارا بتصفيته وعبّر عن ذلك ثلاثة من قادة إسرائيل بداية من رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريل شارون، وكذلك نائبه شاؤول موفاز الذي قال: “نحن نعتبر عرفات مسؤولا يداه ملطختان بالدم، وقد قررنا معاملته كمجرم حرب وتصفيته”. وكذلك وزير الجيش الإسرائيلي آنذاك أيهود باراك.

وذكّر هيكل بما قاله شارون للرئيس الأمريكي جورج بوش، حول مساعدة ملك الموت في قتل عرفات، مشيرا إلى تصريح مهم جدا لشارون، قال فيه: “المقاطعة هي حياته -أي عرفات- ولن يخرج منها وهي سجنه، وأضاف وهي قبره“.

وقال هيكل أن عرفات اتصل هاتفيا به عام 2004 وكشف له عن إحباط محاولة انقلاب ضده، و كشف هيكل أيضا عن اتصال ثان من عرفات بدأ فيه مستسلما بقوله: “والله أنا جاهز لقدري ولقاء خالقي”. حسب ما أفاد هيكل.

ولعل قراءة ظروف استشهاد أبو عمار عبّر عنها صديقه القائد الفلسطيني الشاعر الراحل محمود درويش، في مقال بعنوان “في وداعه”، حيث وصف صراع شخصية عرفات مع واقع سياسي مغلق بالقول: “عرفات المشبع بثقافة صلاح الدين التفاوضية، وبتسامح عُمَر، لم يأت على حصان أبيض، ولا ماشياً أمام جَمَل، فلا مكان للخيل والإبل في بلاغة الأزمنة الحديثة. بل جاء إلى واقعه الجديد محمولاً على اتفاق أوسلو، ذي الجوهر الأمني الخالي من الإفراط في التفاؤل، والمفتوح على غموض النيات، لكنه عاد وفي ذهنه خاطرة مرِحة: حتى النبي موسى لم يعد إلى “أرض الميعاد!”

ورأى درويش أن عرفات كان يعتبر ما جرى انه “خطوة أولى نحو الدولة، وهو يعلم أن فلسطين ما زالت هناك في القضايا المعلّقة على مفاوضات الوضع النهائي، حول القدس وحق العودة وغيرها من القضايا الشائكة”. وفي توضيح أكثر لاشتباك الفعل الفلسطيني مع المعادلة الدولية، قال السياسي محمود درويش، بلغة الأدب “عرفات كان يعلم أن تلك المرجعيات لم تعد صالحة تماماً في عالم القطب الواحد، الذي رفع الدولة الإسرائيلية إلى مرتبة المقدس الذي يُلهم “البيت الأبيض” بتعاليمه السماوية! ويعرف أيضاً وأيضاً انه قد انتقل من المنفى إلى سجن مؤثَّث بصور الأشياء لا بحقيقتها، وانه في حاجة إلى إذن بالانتقال من سجن في رام الله إلى سجن في غزة. ولا بأس من سجاد أحمر.. ونشيد.

مقالات ذات صلة