عريس لأمي!
تفقد المرأة حقها في الزواج بعد الطلاق أو الترمل لمجرد أن ينحني ظهرها ويشتعل رأسها شيبا حتى وإن كانت بدون أولاد، هذه الحقيقة قررها المجتمع من زمن طويل ولا يزال العمل بها اليوم ساري المفعول حتى اليوم، بل تتبناه المرأة نفسها التي تنظر هي الأخرى لمن ترغب في الزواج في هذه السن بنظرة احتقار واستخفاف لأنها كسرت المحظور وتخطت الخطوط الحمراء، وهو الأمر الذي لا يحدث مع الرجل المسن حتى وإن كان سنه قريبا من التسعين.
ولكن بالنسبة لبعض الأمهات أو الأبناء، لا يعد زواج المسنات من “الكبائر” التي تجلب الازدراء و”الوشوشات”، بل حق يفرضه الواقع الجديد لامرأة في خريف العمر أنهت مهامها التربوية والأسرية وتفرق عنها أولادها وصارت فريسة سهلة للضغوطات النفسية، فيدفعها أبناؤها للزواج إذا لمسوا لديها رغبة في ذلك، أو يبحثون لها عن عريس يستكمل معها مشوار الحياة لأن الأمر بالنسبة لهم ليس أكثر من أنيس تسكن إليه ويسكن إليها.
عمار، هو واحد من هؤلاء الأبناء الذين لم يأبه لنظرة المجتمع، حيث أقدم على قرار شجاع حين رفع الحرج عن والدته التي كانت ترغب في الزواج، ولكنها لم تتجرأ عن الإفصاح عن هذه الرغبة، حيث يقول أحد أصدقاءه أن والده طلق والدته بعد أن تعدى الستين، ثم تزوج من امرأة أخرى أصغر سنا، ما أصاب والدته باضطراب نفسي وقلق شديد أعقبهما إصابتها بمرض السكري، ولم يجد ابنها عمار من طريقة لإخراجها من هذه الحالة النفسية سوى أن يعرض عليها الزواج من شخص يعرفه، حيث طلب منه أن يرشح له زوجة تكون كبيرة في السن، فاقترح عليه أمه لم التي تمانع في الزواج نكاية في زوجها الذي خان العشرة، وانتقلت الأم إلى بيت زوجها في هدوء وتخلصت من كل ما كان يتعبها ويوتر أعصابها.
وإذا كان عمار زوج أمه نزولا عند رغبتها، وأملا في أن يزول غيظها والمؤكد أنه كسب منها “دعاوي الخير”، إلا أن أحد الشباب لم يجد من طريقة لإنهاء الخلافات التي كانت تشتعل بين زوجته وأمه إلا أن يبحث عن عريس لهذه الأخيرة، ولكن بدون علمها، والأكثر من ذلك أنه زفها إلى بيت زوجها دون أن تعلم أنها ذاهبة إلى “عرسها” وهذه الحادثة روتها لنا إحدى الثقات، حيث قالت إن هذا الابن اتفق في السر مع شيخ عليل شارف على التسعين على تزويجه أمه التي تتقاضى منحة كبيرة، ولما أقبل يوم الزفاف٬ طلب منها أن تحضر نفسها ليصطحبها إلى عرس صديقه٬ وقامت العجوز بالاستعداد للعرس على طريقتها الخاصة، وفي المساء أخذها إلى بيت زوجها وانصرف.
جلست “العروس” بين عدد قليل من النسوة وأغلبهن كبيرات في السن، وهي تتساءل بينها وبين نفسها: “أين هي العروس؟!” ولماذا ليس هناك ما يدل على وجود عرس، فلا غناء ولا زغاريد؟! صمتت العجوز قليلا قبل أن تسأل النسوة اللواتي كن يجلسن بجانبها: ولكن أين هي العروس؟! تبادلت النسوة نظرات ممزوجة بالاستغراب، ثم قلن لها بصوت واحد: أنت هي العروس!.
أصيبت العجوز بالدهشة وكتمت غيظها حينما عرفت أن ابنها زوجها برجل مسن دون أن يستشيرها٬ ولكنها لم تبد ما يكشف عما عزمت عليه في سرها، حيث استأذنت النسوة للصلاة في الغرفة المجاورة، وعلى حين غفلة من الجميع تسللت إلى الخارج وهي تكاد لا تصدق ما حدث لها، وتوجهت مباشرة إلى مقر الشرطة أين سردت عليهم قصتها، حيث تم استدعاء ابنها الذي لم يجد أمام الكلمات الحارقة التي صبتها عليه أمه صبا إلا أن يطأطئ رأسه خجلا.
صحيح أن الإسلام لم يحرم زواج المسنات، ولكن لأنه ليس مقبولا اجتماعيا ينظر إليه عادة على أنه ومناف للتقاليد وصاحبته تتصابى ما يجلب الاحتقار للمسنة وأبنائها الذين بالتأكيد وجدوا أن حاجة أمهم للزواج أقوى من نظرة المجتمع.