الجزائر
سكنوا الجبال وانتزعوا ثروات المستعمر لإطعام الفقراء

عصابات الشرف أو روبنهود القبائل.. ثوار تمردوا ضد فرنسا

الشروق أونلاين
  • 5770
  • 0
الشروق

اختلفت الأسباب والدوافع الشخصية التي انتهت بهم إلى التحصين بالجبال وتكوين عصابات تستولي على ثروات وممتلكات المعمرين لتوزيعها على الفقراء والمساكين في القرى والمداشر، رجال زرعوا الرعب في نفوس المستعمر ومثلوا”روبنهود القبائل” لعقود من الزمن، بعدما انساقوا وراء الرغبة في تحقيق العدالة، نبذ الظلم وأدمنوا حرية استماتوا من أجلها، رجال تركوا بصمتهم في الذاكرة الجماعية، ليتناساهم التاريخ بعد الاستقلال رغم كونهم حلقة ضمن سلسلة النضال والكفاح لاستعادة الأرض المغتصبة.

“عصابات الشرف” كانوا ظاهرة أرهبت المستعمر الفرنسي وجعلته يستعين بأحسن قادته لمواجهتها في منطقة القبائل، ورغم تبلورها عقب إخماد الثورات الشعبية سنة 1871واعتماد النظام المدني الذي رافقه انتزاع أراضي المواطنين وتوزيعها على المعمرين واستمرارها إلى غاية فجر الثورة التحريرية، إلا أن التاريخ لم يشر إلى هؤلاء أو يذكرهم تحت أي تسمية كانت، لتنصفهم الذاكرة الجماعية التي لا تزال تحتفظ بذكراهم وتتداولها الحكايات والأمثال الشعبية، فمن منا لا يسمع بـ”ارزقي البشير”،”احمد اومري”،”أعمر امهبول” وغيرهم. 

تختلف الروايات بخصوص هؤلاء لانعدام مراجع رسمية تدوّن نضالهم وطبيعته، حيث تعود جميع الكتابات الموجودة عليهم إلى القادة العسكريين الفرنسيين، الذين تابعوا ملف الخارجين عن القانون كما كانوا يسمّون، ولتسليط الضوء أكثر عن هؤلاء، ارتأت”الشروق اليومي” جمع بعض شهادات المؤرخين والمسنين الذين عاشوا الظاهرة عن قرب أو تناقلوا أخبارها عمن عايشوها. 

 

هكذا بدأت قصة البطولة لرجال ماتوا من أجل الحرية

أول عصابة أو مجموعة منظمة خرجت ضد المستعمر الفرنسي، ظهرت يد المدعو”ارزقي البشير” بعد إخماد ثورة المقراني والشيخ الحداد ونشط على محور أكفادو، ميزرانة واعكوران شمال وشرق تيزي وزو، حين انتزعت الأراضي من المواطنين، وكما هو معروف فإن الارتباط الروحي للرجل القبائلي بأرضه، يجعل من المساس بها كالمساس بشرفه، من هنا جاءت تسمية “عصابات الشرف”، حيث كان خروج الكثير من هؤلاء بسبب استعادة الشرف الضائع بعد اغتصاب أراضيهم، ومتابعتهم قضائيا بأحكام المؤبد والإعدام بعد قتلهم لفرنسيين اضطهدوا العمال في الورشات والمزارع، إلى جانب تصفية عملاء المستعمر الفرنسي من قياد ومسؤولي الدواوير وغيرهم من الموالين لفرنسا. 

  “ارزقي البشير” الذي قاد أكبر مجموعة ضد المستعمر الفرنسي، ولد حسب التقارير الفرنسية سنة 1859بقرية بوهني في عزازڤة بتيزي وزو، وهو من قتل “أمين” اعكوران أو ما يعرف محليا بـ”الطامن”، عمل منذ حداثة سنه في قطاعات مختلفة، أغلبها في قطاع الغابات، إلى أن صار مسؤول عن ورشة لجمع الفلين بإعكوران، لم تتوتر علاقته بالإدارة الفرنسية إلا سنة 1887، حين اتهم بالسرقة ظلما، فاختار الالتحاق بالجبل لرد الاعتبار لشخصه وشرف عائلته التي انتزعت منها أكثر من 50 هكتارا من الأراضي، حيث التحق به عدد من المظلومين باختلاف دوافعهم، نظرا للظلم والاستبداد الذي مارسته الإدارة الفرنسية ضد الشعب، ففي سنة 1885فقط أصدر ما لا يقل عن 10ألاف حكم ضد المدنيين، ومن بين الملتحقين بهم تذكر ذات التقارير، الإخوة”عبدون” من عرش أث جناد، الذين اتهم أحدهم بقتل شخص آخر إثر خلاف بينهم وإحدى العائلات. 

 

مواجهة سياسة التجويع بسرقة ممتلكات المعمرين وإطعام الفقراء

عرف”ارزقي البشير” بقوة شخصيته وحسن معاملته لأتباعه، مارس هؤلاء سياسة ترهيب المستعمر ومواليه، حيث تنتزع أموال الأثرياء من الموالين للمستعمر الفرنسي وممتلكاتهم وتوزع على الفقراء والمساكين والأرامل في القرى، خصوصا بعد سياسة التجويع التي اعتمدتها الإدارة الفرنسية بانتزاع أراضي الأهالي ومنع بيع وشراء السلع والمنتوجات الفلاحية بين المواطنين، شاع صيته في المنطقة وعرف كأخطر مطلوب لدى العدالة الفرنسية، حتى أطلقت عليه تسمية “ملك الغابة”، حاول المستعمر الفرنسي التخلص منه أو القبض عليه مرارا بمخططات عسكرية اعتمدت على الخونة، إلا أن ذكاءه الخارق كان ينجيه في كل مرة بأعجوبة، حظي بدعم السكان لعدالة القضية التي ناضل من أجلها، دعمه الأهالي بالنقود، الطعام، والمعلومات حول تحرك المستعمر والخونة، هذا الدعم الذي حظي به بلغ مسامع المستعمر، حيث كانت العقوبات والتوقيفات العشوائية تطال كل قروي أعزل، وبعد اتساع رقعة الخطر الذي مثلته”عصابات الشرف” على المستعمر الفرنسي، قرر مسؤول المقاطعة الإدارية لتيزي وزو، إطلاق حملة واسعة ومعمقة لمواجهة الظاهرة والقضاء على ساكني الجبال، حيث نجح في إلقاء القبض على “ارزقي البشير” في منطقة صدوق بتاريخ 24 ديسمبر 1893، ليعدم في مدينة عزازڤة بتاريخ 14ماي1895مع أربعة من رفقائه. 

 

“احمد اومري” ثائر سقط على مائدة الخيانة بعدما عجزت فرنسا عن قتله

الظاهرة عادت للواجهة بمنطقة القبائل قبيل الحرب العالمية الثانية وخلال تجنيد الجزائريين للمشاركة في حرب فرنسا ضد الألمان، وهي الفترة التي ازداد فيها قمع فرنسا الذي غذى روح النضال والانتفاض ضد بطشها في نفوس السكان، “احمد اومري” أو”بلعيدي احمد” اسمه الحقيقي، كان من أهم الثوار الذين خرجوا ضد فرنسا قبيل أحداث 8 ماي1945، وقاد جماعة من المتمردين الذين أرعبوا المستعمر واطعموا الفقراء من المسروقات التي يحصلون عليها من الفرنسيين والموالين لهم.

ولد”احمد اومري” بقرية اث جيمعة ببلدية أيت بووادو جنوب تيزي وزو سنة1911، نشأ في عائلة فقيرة واضطر لتحمل المسؤولية في سن مبكرة لتجنيد والده في الحرب العالمية الأولى، ورغم ذلك فقد تمكن من تلقي دروسه الأولى في مدرسة غير بعيدة عن قريته، إلا أن الرياح هبّت بما لم تشته الأنفس المتعطشة للتعليم، حيث اقتلعت سقف المدرسة بعد 3 سنوات من التحاقه بها، ليتوقف مساره وأقرانه مع التعليم والتحق بالحياة المهنية ممارسا الرعي وأعمال أخرى لتحصيل قوته وقوت عائلته، فاضطر سنة1934بعد إتمام الخدمة العسكرية للهجرة إلى فرنسا من أجل العمل والعودة لاستعادة الأرض التي باعها جده غصبا للمعمرين سنة 1972، وقبل ذلك حضر حادثا مفجعا ألمّ بالعائلة، حيث توفي شقيقه وابن عمه البالغين من العمر 10سنوات بعد تناولهما حشيشا ساما في المرعى، بدافع الجوع الذي فرضته عليهم فرنسا، إذ لم يجدوا سواه لإسكات جوعهما إلا أنهما لقيا حتفهما متسمّمين به، اشتغل في عدة أماكن قبل أن يجند إجباريا في صفوف الفرنسيين ضد الألمان، حيث تمكن هؤلاء من القبض عليه ومجموعة من الجزائريين، لكنه تمكن المدعو”رمضان ناث يني” من الفرار من قبضة الألمان وكذا من الفرنسيين، فتم القبض عليهما وتحويلهما إلى ثكنة الحراش، خلال ذلك اطلع على حادثة هزت كيانه وأججت بغضه للمستعمر الفرنسي، تمثلت في استخفاف ضابط فرنسي بأرواح الجزائريين، حيث أبدى الجنود الفرنسيين تخوفهم من تسميم الألمان لمياه الوادي التي يشربون منه، فطلب من قائده أن يورد منها خيلا وإن مات امتنعوا عن الشرب منه، لكن الضابط رد بأن الخيل في زمن الحرب ثمين، وطلب أن تسقى المياه جزائريا ليكون”فأر تجارب”، كما تلقى خبر وفاة شقيقته لدى وقوعه من أعلى شجرة زيتون، حين كانت تساعد والدها، مآسي وحقائق مرة توالت عليه وغذت روح التمرد في “احمد اومري” فشارك في التمرد الذي شنه المساجين بسجن الحراش يوم 25جانفي 1941 وأغلبهم مساجين سياسيين ومناضلين في حزب الشعب، إلا أن”مصالي الحاج” دعا المتمردين إلى الهدوء وتسليم أنفسهم، ما جعل الصعود إلى الجبل هي الوجهة الحتمية “لأحمد اومري” لدى نجاحه في الهروب والعودة إلى تيزي وزو، شكّل فريقا من 5 أشخاص وهم كل من “احمد اومري، حاج علي محند ارزقي، أعمر أمساح، عصمان أيت عبد المؤمن، سعيد بابو” هذا الأخير خانهم بعدها والتحق بخدمة المستعمر للإطاحة بزملائه، تمركز جماعة “اومري” على محور تيزي وزو، معاتقة، بوغني، واضية، ذراع الميزان وصولا إلى الناصرية، لم تكن أوضاع ودوافع المذكورين تختلف عن تلك الخاصة باومري، فأحدهم قتل مسؤول ورشة عمال لاحتقاره وظلمه لهم وغيرها من الدوافع التي انتهت بهؤلاء في الجبال، فكانوا العدو اللدود للمستعمر الفرنسي وكل مواليه، كانوا الشعلة الأولى لمحاربته، وكانت الظاهرة مقتصرة على تيزي وزو دون غيرها من بقاع الوطن.

 وردا على الخطر المحدق بها تمكنت السلطات الاستعمارية من استمالة أحد عناصر مجموعة “اومري” وهو “سعيد بابو” المنحدر من معاتقة، وخلقت بالاستعانة به ما يسمى “الجماعات المضادة للخارجين عن القانون” حيث استعملتهم فرنسا لقتل أو القبض على الناشطين السياسيين والمنتسبين لحزب الشعب والموجودين في الجبل، خصوصا بعد أحداث 1945، ذاع صيت “اومري” وجماعته في المنطقة ومثلوا الأمل والسند للأهالي المغلوب على أمرهم، وكابوس الفرنسيين والقياد والموالين لهم، كانوا حامي الضعيف ومطعم الفقير، مثلوا رمزا للتمرد والحرية، وأول من مهد للنشاط المسلح ضد المستعمر الفرنسي، التفت الأهالي حوله وزرعت هيبته ومكانته روح النضال والثورة في نفوسهم، كان ومجموعته أملهم ورمزا للحرية والتمرد على الظلم، إلى أن تمكن الفرنسيين من استمالة الخونة وزرعهم في صفوف الثوار، مكنهم من النيل من”احمد اومري” يوم 16فيفري1947على يد أقرب أصدقائه الذي دعاه للعشاء ونصب له كمينا رفقة المستعمرين، فسقط مع صديق دربه “حاج علي محند ارزقي” في فخ كانت الثقة والصداقة فيهما كافيتين لإنهاء مشوار متمرد أخلط أوراق المستعمر لقرابة سبع سنوات كاملة، ولا تزال حادثة مقتله مضربا للمثل في خيانة الأقارب.


غياب المنظومة التاريخية تغيّب”كوابيس” فرنسا عن التاريخ

بالرغم من المكانة الهامة التي يحتلها هؤلاء لدى السكان والدور الذي لعبوه في تأجيج لهيب الثورة وتحضير النفوس لها، إلا أن نظرة المؤرخين لهؤلاء لا تختلف عن تلك التي كانت لدى فرنسا حيالهم، إذ لا يتعدى كونهم “قطاع طرق” صنعوا لأنفسهم بطولات بمعاداة الفرنسيين، وذكر الأستاذ والباحث في التاريخ الاجتماعي السيد”حسين كرات” لـ”الشروق اليومي” أن غياب المنظومة التاريخية المكلفة بدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية، غيّبت هؤلاء عن التاريخ الرسمي وجعلت ذكرهم يقتصر على الذاكرة الجماعية وما يتناقله الأفراد عنهم.

 

الحسابات الشخصية ترهن الحقائق التاريخية

للاطلاع أكثر عما يحتفظ به السكان لهؤلاء المتمردين الذين شاركوا في صنع تاريخ المنطقة بشكل أو بأخر، انتقلت “الشروق اليومي” إلى قرية اث جيمع مسقط رأس الثائر “احمد اومري” بايت بووادو جنوب تيزي وزو، أين تحدثت إلينا ابنته الصغرى والبالغة من العمر 71 سنة والتي تعاني من تشوه تسبب فيه المستعمر بطريقة ما، حيث وقعت من حجر والدتها حين حاولت التعرف على مصير زوجها الذي حاصره المستعمر الفرنسي، فأصيبت بحروق خطيرة أفقدتها البصر، كما كان في استقبالنا عدد من أقاربه وكبار القرية، الذين أعربوا عن أسفهم الشديد للتجاهل الذي طال هذا الثائر ورفقائه الذين نسيهم التاريخ وتناستهم السلطات، كما أشاروا إلى استمرار الحسابات الشخصية والمشاحنات عبر الأجيال، حيث يمارس سليلو الأشخاص الموالين لفرنسا والذين قتلهم”اومري” خلال الاحتلال الفرنسي، تضييقا خاصا على كل ما يتعلق به وبتاريخه، إذ لم عاد أحد المخرجين الكبار أدراجه من المنطقة حين حاول كتابة سيناريو وإخراجه حول حياة هذا الثائر، ونفس الشيء في كل ما تعلق بوثائقه بالوطن وفرنسا، وهو نفس المصير لأغلب رفقاء السلاح الذين غادروا عائلاتهم وسكنوا الجبال رفعا لراية الحق، ونبذا للظلم وبطش المستعمر، ليحرموا اليوم من أدنى حقوقهم وهي أن يذكرهم التاريخ.

مقالات ذات صلة