الرأي

عصا المثقف وطوفان الأمة

بقلم الكاتب الفلسطيني: مصعب عيسى
  • 27
  • 0

يبدو أننا أمام مرحلة مفصلية تتطلب إلقاء النسخ القديمة والموروث الفكري المهزوم في سجن انفرادي… لم يعد فيها بالإمكان تبرير لسياسة منتصف العصا… ومنتصف الحل… ومنتصف الطريق.

لقد سجلت غزة في أكتوبرها المجيد صفحة جديدة في تاريخ العرب والمنطقة وربما العالم بأسره… أثمرت عن تغيير كثير من القناعات والمفاهيم حول جدوى الحق… والمقاومة في سبيله.

لقد كانت كلمات الشهيد القائد يحيى السنوار بمثابة نبوءة سياسية حين قال ذات مرة:

(ستكشف هذه المدينة كل الأقنعة… وستغير وجه العالم)

لقد مضى عام على انتهاء المعركة… ولكن الحرب لم تتوقف… عام على وقف إطلاق النار، لكن المذبحة لم تتوقف… والدم لم يتوقف… والدمار لم يتوقف.

وحده من توقف هو ضميرنا الغائب… المنفصل عن واقع الأرض والمستتر خلف مفاهيم إبستينية وضعت المرء العربي كحارس على مملكة الخراب الكبير…

أوقفت الثقافة الانعزالية والانطوائية مفهوم التجذر بين الحبر والتراب وأردت المثقف العربي صنما… متخشبا يدور حيث تدور الفتوى… ويطلق ريحه على الورق المقوى… وينصب نفسه حارسا للصدى بأمر من قائد المحرقة.

وأمام ما حدث… وما يحدث… وما سيحدث في المنطقة العربية، تفاقمت أزمة الوعي واتسعت هوة الانحدار والانزلاقات بين الجمهور الغفير بمن فيهم من مثقفين وبين هموم الأمة…

بين الأقلية المباركة القابضة على جمر الحق بسلاحها وحبرها ودعائها

وبين الأكثرية الضالة التائهة… الكارهة للحق.

والسؤال القديم المتجدد:

أين يقف مثقفو الأمة اليوم؟… وعلى أي مربع يتسمرون… وعلى بعد أي مسافة هم بين الحق والباطل؟

أتراها… سياسة منتصف العصا ناجحة؟

وهل القناعات ثابتة… أم متغيرة؟

لقد أوصانا رب العالمين في كتابه الكريم بآية الخلاص الأبدي:

((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)).

ولأننا أول المعنيين بقضايانا وهموم أمتنا… كان لزاما علينا أن نعيد قراءة تعريف النوع الجديد من المثقف العربي، الذي برز متصابيا متعاليا على ركام الدم… لكأن حبره وأدبه لم يبلغ الحنجرة… لم يكن سوى سلعة مزايدة في سوق النخاسة العربي… يرائي القوم بحبره وبأرتال من ثرثرة، لا تغني ولا تسمن من جوع… ليس مثقفا من لم يحمل سراج حبره منارا في ليل المدينة نحو الحق والحرية، وعلى أبواب العالم المتغير والمتبدل بقناعاته… كل لحظة.

يبقى الأثر الثقافي العربي الغالب متحجرا، لا يتقن إلا السفسطة.

فليست مشكلة المثقف أنه لا يعرف قضايا أمته… قطعا، لكن الكارثة تكمن في أن يقدم ولاءه للسلطان على حساب قضيته… هو يدرك البعد التاريخي والسياسي والإسلامي للقضية، ولكنه يشتري بآيات الله ولاء حاكمه… وثمنا قليلا.

لقد تعدت أزمة الثقافة العربية إلى انحسار دور المثقف في ترديد موروثه الطائفي، وإن كانت الطائفة بأكملها تسير نحو الهاوية. لذا، بقي يراوح في نفس الفتوى الموائمة للسياسة الترامبية، تحت مسمى الوسطية (منتصف العصا).

فأصبح يدور في فلك الطائفية، دون أن يشعر بأي وازع أخلاقي، وكأنه مترجم فتاوى بصيغة أدبية، فأصبح مثقفا طائفيا، يرى الأدب والفكر من وجهة نظر الطائفة لا أكثر… وانعزاليا، لأنه أغلق بوابة سجنه المذهبي على قضايا فتحت مدارك الكون بأكمله.

وانهزاميا، لأن خوفه لم يستطع أن يخرجه من قوقعته المتهالكة، وأن يكتب للضوء المطلق ويستجلب أشعة الحرية التي راحت تتدفق على نوافذ العالم بأسره…

ومثقفا سلطويا، يمسح بحبره حذاء الملك.

هو يبدو كمهرج يجيد ترتيب حروف الهجاء، ضمن متلازمة براقة تبقيه تحت رضى السلطان وغير مثير للشغب… فالكلمة مقاومة. فقد خان الحرف… ولأن الأدب ثورة، أعلن استسلامه. ولأن العدالة جذر الأرض… عاش كورقة ستتهالك قريبا حين يزورها خريف ما…

مذ رمى أبو إبراهيم عصاه في وجه محتله… في مشهد تصديق لما كتبه ألبرت آنيشتاين: (أنا لا أعرف السلاح الذي سيستخدمه الإنسان في الحرب العالمية الثالثة، لكني أعرف أنه سيستخدم العصا والحجر في الحرب العالمية الرابعة).

كانت رميته لعصاه هي وصية الأمة من بعده:

عصاك لك، احملها من أحد قطبيها. استند عليها وقت خريفك… وقاوم بها ما استطعت… فإما أن تأخذك إلى سبيلك… أو ألقها في وجه سجانك… ولكن، إياك أن تحملها من الوسط، فإنها

لن تحملك… ولن تسعفك… وستخذلك.

ورحل وهو يرمي عصاه… آخر ما تبقى له…

بعضنا التقط الوصية وقبض عليها بكلتا يديه… وخبأها في قلبه كي لا يفضح سره فتلاحقه عيون العسس العربية… والبعض الأكثر لم يفهم الوصية، وبقي يستعرض قواه الحبرية في بلاط السلطان أو في وهم السلم الأممي تحت الوصاية الإبستينية.

في الوقت الذي كان فرض عين علينا أن نقول كلمة حق في وجه محتل وسلطان جائر… التزم المثقف العربي الصمت.

في ذات الوقت، كانت مسامع الكون بأكمله تلتقط آلاف الوصايا وصور الشهداء… وتذرف قلوبها حزنا على قضايانا… لقد تحرك المثقف الأجنبي بكل ما أوتي من عزم نحو عدالة فلسطين، فتناغمت أصوات المثقفين الأمميين مع شوارع بلدانهم، وكأنها قضيتهم. لقد تسامى المثقف غير العربي فوق المذاهب والطوائف والعرقية والطبقية والقطرية، وقدم نفسه قربانا بشريا إزاء ما حدث ويحدث، ودفع ولا يزال غيض من المثقفين الأوروبيين أثمانا باهظة، وتعرض بعضهم لخسارات وامتيازات، لقاء كلمة حق في وجه حكوماتهم، وفي وجه المحتل، وفي وجه شياطين الأرض وأبالستها… لقد فاز المثقف الأجنبي في وعي المجتمع… في الوقت الذي خسر المثقف العربي نفسه… وغاب في دهاليز القوقعة… وساهم في إغراق الأمة في تيه الجهل… والانحسار عن حركة التاريخ الطبيعية.

فأين عصا المثقف من طوفان الأمة؟

مقالات ذات صلة