الرأي

عقدة الماضي تجاه عقد المستقبل

عمار يزلي
  • 649
  • 1

ليس سهلا أن تبدو لهم قد اهتديت إلى الطريق الأسلم، ووجدت أخيرا مسلكا للتحرر والنجاة في ربق التاريخ المكبل بالأغلال، وهذا في نظر المنافسين فما بالك بالأعداء.
المنافس، لا يحب لك النجاح ولا الفوز، ولكنه أيضا لا يحب لك الخسارة المطلقة لأن خسارتك، فيها خسارته، والربح لا يتأتى إلا بالتعاون ولو كان غير عادل. أما العدو، فلا يتمنى حتى أن يراك تبحث وتأمل عن فوز والاستقلال بموقف بمنأى عن سطوته، بل، وقد كان الرئيس عبد المجيد تبون، عادة ما يضرب عن ذلك المثل الشعبي القائل:” الحاسد، يحسدك ولو بأن يتمنى لك حلما مزعجا”.
إنه حلم الماضي التاريخي الاستعماري في إبقاء البلد تحت الأقدام، “متعاونا” على طريق “التواطؤ” والخيانة، خيانة الشعب وآماله في الانعتاق ورسم سياسية وطنية مستقلة شعبية بعيدة عن سطوة نخب المال والقوة الغاشمة ولوبيهات المصالح العفنة، التي لا تبحث إلا على مصالحا الأنانية الإنّية، على حساب الوطن والشعب ومقدراته وخيراته.
الجشع الرأسمالي، هو سر نمو وتغول الاستعمار، وانتشاره ولو بالقوة القاهرة والجور والظلم، بحثا عن أسواق تصدير وبحثا عن موارد بشرية ومقرات خام باطنية وجوفية وعن أراضي منتجة فلاحية وعقار صناعي وعمالة رخيصة، تصل إلى حد الاسترقاق: هي فلسفة الاستعمار الرأسمالي الماضية في الانتفاع على حساب الآخرين: الرأسمالية التي نمت في أحضان المناخ الأوربي الشمالي المعتدل، والطقس والمياه والغطاء النباتي الواسع، تجد نفسها، مع آلتها الاقتصادية والصناعية والزراعية المتنامية، بفعل المكننة ثم التكنولوجيا، تجد نفسها، رغم أنها تأسست على قاعدة ثورة الأقنان، باحثة عن عدالة أكبر وتوازن وعدالة أقوى، ترفع شعارا ثوريا إنسانيا ينبعث من صلب قرن من أنوار وفلاسفة نهاية الاقطاع وفجر الثورة الفرنسية في 1789م.. لكنها سرعان من تجد نفسها تتنكر لأصولها وشعارها: العدالة والأخوة والحرية، لتصبح هذه المعادلة الثالوثية، عنصرية المقصد محصورة على الجنس الأبيض تدعو إلى مزيد من التوسع واحتلال أراضي المتوحشين “الباربار من أجل نقلهم من مرحلة التوحش إلى التحضر”.
هكذا، ستشرع فلسفة الاقتصاد الرأسمالي في إنتاج فكر جديد، عنصري، طبقية، معتمد على الاستغلال والظلم وسلب الحقوق والحريات ممن “لا يستحقونها” في تصورهم، وهذا لمضاعفة “حقوق” العرق الأبيض الشمالي.
هكذا كان التوسع الرأسمالي الغربي الأوروبي، يأخذ تاريخه القديم من الاكتشافات الأولى للقارات والبحار والمحيطات وخطوط التجارة التي سميت بالاقتصاد الميركانتيلي، وصولا إلى الاستعمار الحديث: استعمار القرنين الـ 19 والـ 20، وإلى اليوم عبر الاستعمار المقنع: الاستعمار الحديث، الذي كان يقول بشأنه الرئيس الراحل هواري بومدين: “أخرجنا الاستعمار من الباب، ويريد الآن أن يدخل من النافذة”: نافذة الاقتصاد واللوبيات والمؤثرين والتواطؤ وشراء الذمم والمال الفاسد ونشر إيديولوجيا الإحباط تجاه كل مساعي جديدة تعمل الدولة الوطنية على إحلالها لصالح الوطن والمواطن، بعيدا عن الحسابات الضيقة لأوليغارشية تغذت على حساب الدم الوطني ونفط البلد ومقدراته المادية والبشرية، مستفيدة ومفيدة راعيها خلف البحار، وحاميها بالمال والحقوق والمدافع عنها في العلب والمحافل الضيقة والمحرك لها كذيول تبصص عند كل نداء لها لتنفيذ والقيام بما تملى عليها هذه الكتل الإجرامية في حق الأمة والشعب ودولته ومقدرات بلاده وتاريخ جهاده وبسالة مواقفه عبر التاريخ.
هذه القوى الجاثمة حتى على ظهر شعبها داخل البلد الاستعماري، المالكة للمال المتاجرة بالسلاح، الوارثة لأسلاف الإجرام في حق الإنسانية والتاريخ هي نفسها عينها، التي تتحرك اليوم وغدا، وكلما شعرت بأن نهايته باتت قريبة وأن أملها قد خاب…بعدما شاب وعاب.

مقالات ذات صلة