عقوبات مرتقبة ضد فرنسا على موقفها من الصحراء الغربية
لا تستبعد الجزائر اتخاذ إجراءات إضافية ضد فرنسا، احتجاجا على قرار دعمها للمقترح المغربي للحكم الذاتي في ملف الصحراء الغربية، حيث كشف وزير الشؤون الخارجية، أحمد عطاف، أن الحكومة الجزائرية قد تلجأ إلى “الخطوات اللازمة” في وقتها، موضّحا: “نحن بصدد استنتاج كل ما يمكن استنتاجه من الحكومة الفرنسية وسنقوم بالخطوات اللازمة التي نعبّر من خلالها عن رفضنا لإقدام فرنسا على خطوة دعم مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية المزعومة”.
وكشف عطاف، الأربعاء، عن مبادرة داخل أروقة الاتحاد الإفريقي تخص موضوع تجريم الاستعمار بالأمم المتحدة، مؤكدا أن الجزائر ستكون من السبّاقين في الدفاع عنها.
وقال عطاف، في معرض رده على أسئلة الصحافة خلال ندوة صحفية تناولت ملفات الساعة المرتبطة بالسياسة الخارجية بمقر الوزارة، أنه “عندما يتعلق الأمر بالاستعمار بصفة عامة والاستعمار الفرنسي بصفة خاصة، فأنا شخصيا من المرافعين لصالح نشاط دولي جماعي وأن نبادر كدول إفريقية وغير إفريقية لتجريم الاستعمار داخل المنظمات الدولية”.
وتابع قائلا: “هناك مبادرة داخل الاتحاد الإفريقي تخص موضوع تجريم الاستعمار في الأمم المتحدة، وستكون الجزائر من السبّاقين لدعم هذا التوجه”، مؤكدا أن القمة الإفريقية القادمة ستعالج هذا الملف وستتخذ قرارات بشأنه.
وخلص عطاف بالتنبيه إلى أن الصدى سيكون “أوسع” و”أقوى” في إطار “عملية جماعية كأفارقة، خاصة وأن القارة عانت من الاستعمار”.
رد الرئيس تبون على موقف فرنسا صارم وحازم ودقيق
وأكد عطاف، أن رد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، على الموقف الفرنسي الجديد من قضية الصحراء الغربية كان “صارما وحازما ودقيقا” واعتبر أن هذه الخطوة لن تسهم في إحياء المسار السياسي وإنما ستغذي الانسداد الذي أدخلت فيه خطة الحكم الذاتي القضية الصحراوية منذ أكثر من 17 سنة.
وأوضح عطاف، بالمناسبة، أنه تم إطلاع رئيس الجمهورية بصفة مسبقة على الخطوة الفرنسية ومحاولة التمهيد والتبرير المسبق لها من قبل نظيره الفرنسي خلال اللقاء الذي جمعهما يوم 13 جوان الماضي، على هامش اجتماع مجموعة السبع بمدينة باري الإيطالية، أين أكد الرئيس الفرنسي في تبريراته وتعليلاته للتغيير الذي كان يحضّر له ويعبد له الطريق، على عدة معطيات لخصها عطاف في أن هذه الخطوة ليست بالجديدة ولا تأتي بالجديد، وأنها فقط تذكير بموقف فرنسي كانت قد أعربت عنه فرنسا في 2007 لدى تقديم خطة الحكم الذاتي من طرف المملكة المغربية.
كما أن هذه الخطوة تهدف، حسب تبرير الرئيس الفرنسي، إلى “الإسهام في إحياء المسار السياسي لتسوية النزاع في الصحراء الغربية. وأن فرنسا تبقى وفية لتعهداتها والتزاماتها بدعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة ومساندة مساعي مبعوثه الشخصي”.
وخلال ذات اللقاء، يقول عطاف، كان رد رئيس الجمهورية “صارما وحازما ودقيقا” للغاية حيث اعتبر أن “الموقف الفرنسي الجديد ليس مجرد استنساخ للمواقف السابقة المعلن عنها، بل يتجاوزها ويتجاوزها بالكثير، باعتبار أنه يركّز على حصرية خطة الحكم الذاتي كقاعدة لحل النزاع القائم في الصحراء الغربية، وأنه يعترف اعترافا صريحا بما يسمى “مغربية الصحراء الغربية” ويدرج، بصريح العبارة، حاضر ومستقبل الصحراء الغربية في إطار السيادة المغربية المزعومة”.
وكخطوة أولى للرد على القرار الفرنسي، أبرز عطاف أنه تم تخفيض التمثيل الجزائري في فرنسا، من خلال سحب سفيرها لدى الجمهورية الفرنسية بأثر فوري على أن يتولى مسؤولية التمثيل الجزائري في فرنسا من الآن فصاعدا قائم بالأعمال، مبرزا أنها الخطوة المعروفة حسب الأعراف الدولية للتعبير عن الاستنكار الجزائري لما أقدمت عليه السلطات الفرنسية.
وتابع وزير الخارجية يقول: “سنقوم بالخطوات اللازمة التي سنعبّر من خلالها عن رفضنا لإقدام فرنسا على خطوة خطيرة على المنطقة والجهود التي تبذل خصيصا في هذا الظرف لإيجاد حل سلمي وسياسي لقضية الصحراء الغربية”.
كما عرج عطاف على الزيارة التي كانت مرتقبة لرئيس الجمهورية إلى فرنسا في رده على سؤال صحفي، مبرزا أنه “سيتم استنتاج كل ما يجب استنتاجه في إطار تحضير الرد على الخطوة التي أقدمت عليها فرنسا”، مردفا: “لا شك أن زيارة الدولة التي كانت مبرمجة ستدخل في إطار هذه الاستنتاجات ولا أفاجئ إن قلت أن الخطوة الفرنسية لم تسهم إيجابا في تحقيق هذه الزيارة بالنظر إلى ما يترتب على القرار الفرنسي من خطورة والتي من شأنها أن تمس ليس فقط بالحل السلمي والسياسي للقضية، بل حتى على أمن واستقرار المنطقة”.
واستغرب عطاف اختيار فرنسا لهذا التوقيت للإعلان عن قرارها، لاسيما وأن الظرف الحالي يعرف تحولات لإحياء الأمم المتحدة، عبر مبعوثها الشخصي إلى المنطقة، مسار السلام في المنطقة وهي الآن بصدد البحث لتحريك آلية إعادة بعث مفاوضات السلام بين طرفي النزاع، المغرب وجبهة البوليساريو.
قرار باريس.. هبة من لا يملك لمن لا يستحق
واعتبر عطاف أن إقدام فرنسا على الاعتراف بالسيادة المغربية المزعومة على الصحراء الغربية هو “الخطوة التي يمكن وصفها بعبارة بسيطة، تلخص في مضمونها القيمة القانونية لهذا الاعتراف، وهي عبارة عن هبة من لا يملك لمن لا يستحق”.
وأضاف عطاف أن “اعتبار فرنسا خطة الحكم الذاتي المغربية كحل وحيد وأوحد في قضية الصحراء الغربية، إقصاء لأي جهد للبحث عن حل بديل لقضية الصحراء الغربية، وفقا للقرارات الدولية وفي مقدمتها قرارات مجلس الأمن التي شاركت فرنسا في صياغتها وفي اعتمادها”.
ولفت إلى أن “ما يستشف من نص رسالة الرئيس الفرنسي للملك المغربي، أن فرنسا أصبحت تتبنى بشكل كلي الطرح المغربي المتعلق بقضية الصحراء الغربية وتجعل منه أولوية تتعهد بالدفاع عنها على الصعيد الوطني والدولي، وكأن الطرح المغربي حول الصحراء الغربية أصبح طرحا فرنسيا كاملا”.
ربح المزيد من الوقت لتكريس الأمر الواقع الاستعماري
وعن تداعيات الخطوة الفرنسية وتبعاتها على الصحراء الغربية وعلى السلم والأمن في المنطقة، قال عطاف أن هذه الخطوة “والتي تدعي (باريس) أنها ترمي إلى إحياء المسار السياسي لتسوية النزاع في الصحراء الغربية، تسهم على النقيض من ذلك في تكريس حالة الجمود التي تعاني منها العملية السياسية منذ ما يقرب العقدين من الزمن”.
وتابع أن “حالة الجمود تسبب فيها بصفة مباشرة مخطط الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007″، مشيرا إلى أن مآربه “كانت ولا تزال تنصب حول ثلاثة أهداف أساسية، تتمثل في القضاء على حق تقرير المصير المخول دوليا للشعب الصحراوي من خلال إجهاض تنظيم استفتاء في هذه الأرض ووأد الحلول السياسية البديلة والحيلولة دون بروز أي مبادرات جادة وصادقة لحل هذا النزاع، غير تلك التي تريدها المملكة المغربية وهي شرعنة المغرب للواقع الاستعماري في الصحراء الغربية”.
كما أوضح أن الهدف الآخر يتمثل في “ربح المزيد من الوقت لتكريس الأمر الواقع الاستعماري وفرضه على المجتمع الدولي وحمله على التكيف معه والقبول به، عبر تضييع الفرص تلوى الفرص”.
ومن هذا المنظور – يضيف عطاف- فإن “الدعم الفرنسي الكامل والمطلق للمقترح المغربي للحكم الذاتي يمثل محاولة لإعادة بعث هذا المشروع من الرماد وإعادة إحياء الأهداف المتوخاة منه وهي الأهداف التي ترتبط تمام الارتباط بعرقلة جهود التسوية السياسية لقضية الصحراء الغربية وتثبيت الواقع الاستعماري المفروض على الشعب الصحراوي”.
وفي هذا السياق، تساءل الوزير “كيف لمقترح الحكم الذاتي أن يعمر لأكثر من 17 سنة من دون أن تخصص له دقيقة أو حتى ثانية لمناقشته”، معتبرا أن عدم عرض هذا المقترح على طاولة المفاوضات طيلة كل هذه المدة الزمنية، يظهر أنه “لم يؤخذ أبدا على محمل الجد والجدية كإطار لحل النزاع في الصحراء الغربية”، كما أنه “لا يحظى ولن يحظى باهتمام المبعوثين الدوليين الأربعة الذي تداولوا على هذا المنصب طيلة العقدين الماضيين”.
وفي هذا الصدد، أكد الوزير أن “القرار الفرنسي يدعم الواقع الاستعماري المفروض على الشعب الصحراوي وأنه يسير عكس تيار الجهود الدبلوماسية المبذولة مؤخرا من قبل الأمم المتحدة ومن قبل أطراف دولية فاعلة أخرى، لهدف إحياء المسار السياسي لإنهاء النزاع في الصحراء الغربية”، مضيفا أن “اصطفاف فرنسا بصفة كلية بجانب المغرب يقصيها من أي دور للمساهمة في الجهود الدبلوماسية الرامية لحل هذه القضية سواء داخل مجلس الأمن كدولة دائمة العضوية أو خارج هذه الهيئة الأممية المركزية”.
ولفت إلى أن “الخطوة الفرنسية التي وضعت نصب أهدافها تدشين صفحة جديدة في العلاقات الفرنسية المغربية، لا تعدو أن تكون صفقة – لا تصح لا قانونيا ولا سياسيا ولا أخلاقيا – يتم إبرامها بين طرفين على حساب طرف ثالث مغلوب على أمره ألا وهو الشعب الصحراوي، صاحب الحق وصاحب القضية”.
الكيان الصهيوني يمارس سياسة الأرض المحروقة في كل مكان
وفي سياق آخر، أدانت الجزائر “بشدة” إقدام الكيان الصهيوني على اغتيال اسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الاسلامية “حماس” في وقت مبكر من يوم الاربعاء، في غارة بالعاصمة الإيرانية، على هامش مشاركته في حفل تنصيب الرئيس الإيراني الجديد.
وقال عطاف في ندوة صحفية عقدها بمقر الوزارة، ” نلتقي في وقت بالغ الخطورة وأمام منعرج مأساوي بعد اغتيال المرحوم رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية في طهران. اننا ندين وندين بشدة هذه العملية الارهابية الغادرة والشنيعة التي أقدمت عليها قوات الاحتلال الصهيوني. وهي تتمادى في لامبالاتها ولا اعترافها بأبسط القواعد والضوابط الانسانية والقانونية والسياسية والأخلاقية”.
وأضاف عطاف “انها سياسة الأرض المحروقة التي جعل منها الكيان الصهيوني ملجأ وخطة واستراتيجية، قوامها التصعيد ثم التصعيد في كل الاتجاهات، غزة، الضفة الغربية، اليمن، لبنان، سوريا، ايران”.
واعتبر عطاف أن الكيان الصهيوني وباتباعه “حقا” سياسة الأرض المحروقة “كأن المراد منها ادخال المنطقة برمتها في دوامة الحروب المستفيد الوحيد منها المحتل الصهيوني والخاسر فيها أمن و استقرار المنطقة والسلم الذي تصبو اليه”.
لا حل عسكريّا للصراع في مالي.. والبديل لا بد أن يكون سياسيا
ومن جهة أخرى، أكد عطاف أن حل الصراع الدائر بين الأشقاء في مالي لا يمكن أن يكون عسكريا، بل هو “سياسي ولا يمكن أن يكون إلا كذلك”.
وذكر عطاف بفحوى البيان الرسمي الذي أصدرته الجزائر بعد انسحاب الحكومة المالية من اتفاق السلم والمصالحة في مالي المنبثق عن مسار الجزائر، والذي حذرت فيه من إمكانية إعادة نشوب حرب أهلية في هذا البلد الشقيق.
وأضاف عطاف أن الجزائر، في ذات البيان، كانت قد ركزت على ثلاثة معطيات اعتبرتها ولا تزال تعتبرها “أساسية”، أولها أنه من بين منافع وايجابيات اتفاق السلم والمصالحة الموقع بالجزائر سنة 2015 “أنه حافظ على السيادة والحرمة الترابية لمالي والوحدة الوطنية لهذا البلد الشقيق”.
واعتبر الاستغناء عن هذه الاتفاقية “سيضر بكل المكتسبات التي تم تحقيقها في هذا البلد”، مبرزا أن “كل ما كانت تخشاه الجزائر من قبل أصبح اليوم ميزة من ميزات المنطقة وهي عودة الحرب الأهلية التي حذرت منها من قبل”.
وعليه، قال الوزير أنه بغض النظر عما طرأ، فإن “الجزائر أكدت أنه لا يمكنها أن تدير ظهرها لما يجري في الساحل، وتبقى متابعة ومنشغلة بما يجري فيها ولديها من حسن النوايا والاستعداد السياسي والإرادة السياسية ما يقوينا ويدفعنا للإسهام دائما فيما يخدم أمن واستقرار والسلم المنطقة”.
وفي الأخير، اعتبر عطاف أن “الجزائر كانت تعارض الحروب الاستباقية، لأنها مفاهيم استعمارية ولا يمكن لبلدنا أن يتبنى بهذه السهولة مفاهيم استراتيجية كهذه بالمنطقة”.