الرأي

عقوبة الإعدام بين “الإبقاء” و”الإلغاء”

الشروق أونلاين
  • 1015
  • 2
ح.م

يسودُ هذه الأيام نقاشٌ مثيرٌ وساخنٌ حول تنامي المطلب الشّعبي بتفعيل عقوبة الإعدام، بسبب انفجار ظاهرة “اختطاف الأطفال” وقتلهم والتنكيل بهم، إمّا للانتقام أو الاتّجار بأعضاء البشر أو طلب الفِدْية أو السّحر والشّعوذة.. وغيرها من المقاصد الدّنيئة، ويعود معه الحديث عن “عقوبة الإعدام بين الإبقاء والإلغاء”، وهل هي كافيةٌ للحدّ من هذه الجرائم؟ أم هناك عقوباتٌ بديلةٌ ورادعةٌ تنسجم مع الحياة المدنية وحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية، ولذلك نقول:

لابدّ من التفريق بين حُكم “القصاص” وما يحمله من العدل في العقوبة، والذي لا يختصّ بالقتل فقط، وبين “عقوبة الإعدام” التي تحمل المعاني السّلبية، وهو مصطلحٌ دخيلٌ لا نتحمّل أبعاده غير الإنسانية، وقد قال سبحانه وتعالى: “ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب لعلّكم تتقون” (البقرة:179 )، فإذا علِم القاتلُ أنّ جزاءَها المؤكّد هو العقوبة بالمثل من جنس عمله وهو: “القتل” فهو أقوى في رَدْعه، فلا يَقتل ولا يُقتل، وبذلك يحافظ على حياتِه وحياةِ مَن أراد قتْلَه، وبذلك يكون تشريعُ القصاص باعثًا على الحياة، وأنّه للرّدع لا للانتقام.

وهذه العقوبة مؤكّدةٌ في الشّرائع السّماوية والأرضية القديمة والحديثة، وتمتدّ جذورُها امتدادَ الوجود الإنساني، وتنوّعت الاجتهادات القانونية حول الجرائم الموجِبة لها، واختلفت الدول – فقط – في عددها وفي تصنيفها وكيفيات تطبيقها..

إنّ حُكمَ القصاص هو تشريعٌ ربّاني وحُكمٌ إلهي، فهو الذي وَهَب الحياة وهو مَن شرّع القصاص بسحْبِها جزاءً وِفَاقا، فقسوة العقوبة من بشاعة الجريمة، والأصل أنها شاذّة، وتبقى عقوبة وقائية أكثر منها انتقامية.

وتقوم عقوبة “القصاص” في الإسلام على مبدأ الموازنة بين حقّ الضحيّة في الحياة واستحقاق المجرم للعقوبة، وبين حفظ الحقّ الفردي للإنسان وحفظ الحقّ العام للمجتمع، فلا يمكن الحديث عن احترام حقّ المجرم في الحياة ولا نتحدّث عن الحقّ المقدّس للضّحية، ولا عن الحقّ العامِ للمجتمع فيه.

ولا يمكن إثباتَ العقوبة إلا بناءً على إثباتِ الجريمة، فالقاعدة الشرعية الجليلة تقول: “أدرؤوا الحدود بالشبهات”، وبالتالي فنحن لسنا دعاة انتقام أو تشفّ، بل دعاة إنصافٍ وعدل.

إنّ محاولاتِ إلغاء عقوبة الإعدام هي: مصادَمَةٌ للدستور ولقانون العقوبات وللشريعة الإسلامية وللرأي العام وللمطلب الشعبي المتنامي، وهي محاولةٌ بائسةٌ لاسترضاء المنظومة التشريعية الغربية ولو على حساب الخصوصية الدّينية والثقافية للشعب الجزائري، وهو توجّه غير وطني..

كما أنّ إلغاءَ عقوبة الإعدام – مسايرةً للضغوط الأجنبية – يدلّ أنّ الجزائر فقَدَت سيادتها الوطنية في التشريع، وهو يعبّر عن هشاشة هذا النظام وانبطاحه للخارج، وهو ما يؤكد على الضّعف والترهّل الذي أصاب الدولة الجزائرية، بالرّغم من حقّها القانوني في “التحفّظ”.

وأنّ سياسة اللّاعقاب التي تنتهجها السّلطة عن طريق استغلال الحقّ الدستوري في تخفيف العقوبة          وإلغائِها هو مَا يشجّع على تنامي الجرائمِ وتضخّم بشاعتها، فقد سُجِّل بالجزائر بين سنتي: 2010 و2011 حوالي: 40 ألف حالة إجرام للمسبوقين قضائيا، وبالتالي فإنّ الذي يلغي هذه العقوبة الرّدعية يشارك في الإجرام ويتحمّل المسؤولية على الدّماء والحقوق التي تضيع، ومنها ضياع حقوق الأطفال الذين يُختطفون ويُقتلون ويُمثّل بجثثهم..

ومحاولةُ إلغاء عقوبة الإعدام تحت غطاء الالتزام بالاتفاقيات الدولية (والتي هي ليست قرآنًا مُنزّلاً) يُحِيلنا للحديث عن مدى سيادة الدولة الجزائرية وحقّها في التحفّظ على مثل هذه الاتفاقيات، وعن ضرورة الرّجوع في ذلك – وخاصة فيما يتعارض مع الخصوصية الدينية والثقافية – إلى الشعب عن طريق الاستفتاء أو عن طريق ممثليه في البرلمان، وهو ما تمّ استدراكه في التعديل الدستوري الأخير..

فالاتفاقياتُ المتعلّقة بالتشريع الجنائي وقوانين الأحوال الشخصية، هي انعكاسٌ لفلسفة الشرائع والأديان والخصوصيات الثقافية للشعوب، ولا يمكن عولمتها مثل: التشريعات التجارية والاقتصادية التي تعبّر عن المصالح المادية، كما هو متعارفٌ عليه دوليا..

ولا بدّ أنْ نؤكّد أنّنا ضدّ التوسّع في تطبيق عقوبة الإعدام إلا في الحالات القليلة والمُحدّدة شرعا، وهي الخاضِعةُ للنّصوص القطعية: “النّفسُ بالنّفس، والثيّب الزّاني، والتاركُ لدينه المفارق للجماعة.”، أمّا الحالات التي تتوسّع فيها الأنظمة الديكتاتورية مثل: الإعدامات السياسية للمعارضين وغيرها، فنحن ضدّها ولا ندعو إليها، ويكفي أن نعيش في ظلّ دولة القانون والمؤسسات للحدّ منها.

إنّ المنظماتِ الحقوقية في حدّ ذاتها تطالب بتقليص عدد الجرائم التي يُعاقب عليها بالإعدام، وقَصْرها على الجرائم ذات العواقب القانونية الخطيرة؛ وذلك طِبقًا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليه سنة: 1966م، وهو إقرارٌ ضِمنيٌّ بوجود هذه العقوبة والإبقاء عليها، وإنّما الاختلاف في تكييف جرائمها وتصنيفها، إذ لا يوجد معيارٌ متفقٌ عليه بين فلاسفة الأخلاق والقانون في ذلك.. 

وأنّ الإدّعاءَ بأنّ عقوبة الإعدام وحشيةٌ وقاسيةٌ ولا تليق بحقوق الإنسان، وأنّه يمكن استبدالها بالسّجن المؤبّد، إذ وظيفة الدولة والمجتمع هي الإصلاح وليس الانتقام ادّعاءٌ مردود، فبالمنطق نفسِهِ نقول: ألا يُعتبر السّجن المؤبّد – كذلك – اعتداءٌ على كرامة الإنسان وعلى حقّه في الحرّية؟ وما الفائدة من إصلاحه مع الإبقاء عليه في السّجن إذًا؟

إنّ آخرَ مَن يحقّ له الحديثَ عن حقوق الإنسان والدّفاع عنها هو: هذه الدّول الغربية التي تطالب بإلغاء عقوبة الإعدام، وهي التي ترتكب الجرائم ضدّ الإنسانية في حقِّ شعوبٍ بأكملها، وتمارس الإعدامات الجماعية بلا رحمةٍ ولا شفقةٍ، ولاتزال تمجّد جرائمها وإلى الآن..

والإدّعاء بأنّ الدّولة لا يليق بها أن ينزل مستواها لتقوم بنفْسِ فِعْل المجرم، هو: تسطيحٌ مفضوحٌ وتعاطفٌ مرفوضٌ مع المجرم على حساب الضّحية، وهو هَدْرٌ لكرامته وتنازلٌ عن حقّه في الحياة كذلك، وكأنّ حياة المجرم أقدس من حياة الضحية، وهي تسويةٌ غير عادلة بين حقّ الدولة في العقوبة وبين وحشية المجرم في جرأته على الدّماء وبدون مبرّر..

إنّ إلغاءَ عقوبة الإعدام يُعتبر تخلٍّ من الدولة عن واجباتها في العدل والمساواة، وفي فرض سيادة الحقّ والقانون، ونحن لا نريد إلا التطبيق الرّسمي والقانوني والمؤسساتي للأحكام القضائية، وإلا فإنّنا نفتح الباب للانتقام الفردي والتطبيق الفوضوي خارج إطار مؤسسات الدولة، وهو ما يزيد في الجرائم والعنف المتبادل.

 

 

مقالات ذات صلة