-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

علم اجتماع كوفيد؟

عمار يزلي
  • 450
  • 0
علم اجتماع كوفيد؟
أرشيف

بدأ علماء الاجتماع في الغرب، في ألمانيا تحديدا، يجعلون موضوع “كوفيد 19” وتأثيره على السلوك والممارسات الاجتماعية، حقلَ بحثٍ جديد ضمن التحولات الجديدة. ولأن علم الاجتماع، هو علم التحولات بامتياز، فإن ما أنتجه الحجر الصحي، وما أسموه بـ”تدخل الدولة في التضييق على الحريات الفردية والعامة”، صار عنوان إشكاليات لكثير من البحوث المواكِبة لتغير المجتمعات بفعل التأثيرات الداخلية، البنيوية والوظيفية، وأيضا الإكراهات الخارجية المفروضة على المجتمع إزاء فعل التغيير.

الإشكالية الكبرى التي يشتغل عليها البعض، هي مدى قدرة الفرد والمجتمع على تقبُّل هذه الإكراهات، وكيفية تعامله معها وكيفية مقاومة سبلها إزاء التقنين والحد من الحريات الفردية وحقوق الإنسان الفردية والجماعية، خاصة وأن الغرب يعتبر الحرية دينا، على رأي الأستاذ محمد الهادي الحسيني، وهو محقٌّ في ذلك؛ فالحريات التي اكتسبها الغرب من جراء قرون من القهر في القرون الوسطى وسلطة الكنيسة والإقطاع وقبله قرون العبودية والحروب الرومانية، جعلت الفرد الغربي، خاصة بعد انفجار الثورة الصناعية التي دشنتها ألمانيا وبريطانيا ثم الثورة الفرنسية التي غيرت النظام من الإقطاع إلى الرأسمالية الليبرالية، كل هذا كان وقعه كبيرا على شعب عاش تحت سلطة لاهوت الأبرشية، سرعان ما أرغم على الكفر بها واعتناق أنْسوت الحرية، كدين وضعي لا رقيب له أو عليه غير الدولة.. وفي حدود. هذه الحدود، القليلة في تدخُّل الدولة، في الدين وفي العمل وفي الممارسات الفردية، هي ما أسست ودشنت وبلورت واحتوت ما يُسمى الآن بحقوق الإنسان والحريات العامة. نتذكر حرية حزب الفوضويين اليعاقبة “Les Jakobins”، في فرنسا والغرب بعد الثورة الداعين إلى إزالة الدولة كنظام تنظيمي وإطلاق العناق للحريات المنظِّمة لنفسها بنفسها. هذه الحركة، نراها تعود اليوم من جديد في اليسار واليمين في أمريكا والغرب.. في ألمانية وفي فرنسا..

 لقد تحوَّلت هذه الحريات، كإرث تقديسٍ مستلهَمة من نفس الفكر اللاهوتي الذي ساد أوروبا منذ أكثر من 5 آلاف سنة، كمُنتج للفكر الإغريقي الروماني، وكمنتج ديني يهودي مسيحي فيما بعد. لذا نجد الحريات في الفكر الغربي، مقدَّسة، كونها تعتبر عندهم بديلا عن الدين والتدين المقيِّد لهذه الحريات، في نظام سياسي واقتصادي، يعتمد على الحريات، ليس كاستحقاق تاريخي منذ صرخة آدم سميت “دعه يعمل دعه يمر”، وفقط، بل لكون الحريات هي “دين وديدن” الربح الرأسمالي؛ فالحريات الفردية والجماعية، هي وقود الربح الرأسمالي وهي مادته الخام، ولولا هذه الحريات التي اعتبرها الفرد “مناعة مكتسبة” وحقا مشروعا تاريخيا لا يحق التنازل عنه، جعل منه يقدس الحرية في المسائل الشخصية ولا يقبل اليوم أن تتدخل الدولة للحد من حرياته هذه. لهذا لاحظنا هذه المقابلة الممجوجة لدى ماكرون عندما قابل الرسوم المسيئة للنبي الكريم بـ”حرية التعبير”، فالحرية عندهم، أقوى من الدين، خاصة إذا كان هذا الدين دين “الأغيار” الغوييم.. بذهنية الفكر اليهودي المسيحي. الحرية عندهم، ولو أنها مبدئيا تنتهي عندما تبدأ حريات الآخرين، إلا أنهم لا يرون في ذلك “الآخر” الغريب، الخارجي الذي ليس من طينة حضارتهم، ذلك العربي والمسلم أو الأسود.. لا يرون فيها ذلك “الآخر منهم” المقصود، فالأجانب في تصورهم، أقل شأنا من اعتبار حقوقهم وحرياتهم حريات وحقوقا. إنه التفكير الموروث عن الأسلاف.

لهذا، طبيعي أن تتشبع السوسيولوجيا اليوم بهذا الفكر الذي يعتبر تقييد الحريات في زمن كوفيد، ومنها “الحرية الجنسية” موضوعا أساسيا للبحث عن الآثار “السلبية” لكوفيد19 على هذه “الحرية”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!