-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

على موريتانيا أن تخرج عن صمتها بخصوص مدينة لگويرة

حمدي يحظيه
  • 130
  • 0
على موريتانيا أن تخرج عن صمتها بخصوص مدينة لگويرة

توجد مدينة لگويرة الصحراوية في رأس بحري طوله حوالي 55 كلم، وهو الرأس الذي سمّاه البرتغاليون، الذين وصلوا إليه في القرن الخامس عشر، بالرأس الأبيض (Cabo Blanco). في سنة 1885م، حاولت إسبانيا أن تجعله تحت حمايتها، لكن فرنسا، القادمة من الجنوب والقوية عسكريًا، اعترضت على إسبانيا، وفرضت عليها توقيع اتفاقية سنة 1900م لرسم الحدود بين مستعمرات الدولتين. تقرر بموجب هذه الاتفاقية تقسيم الرأس الأبيض بخط حدودي يبدأ من أقصى الرأس في البحر إلى نهايته، بحيث يكون الجزء الساحلي الغربي ضمن حدود الصحراء الغربية التابعة لإسبانيا آنذاك، والجزء الشرقي ضمن حدود موريتانيا التابعة لفرنسا آنذاك. في الجزء التابع للصحراء الغربية، تم تشييد مدينة لگويرة الصحراوية، وفي الجزء التابع لموريتانيا، تم تشييد مدينة نواذيبو الموريتانية.
عند بداية الحرب في الصحراء الغربية، دشنت موريتانيا حربها على الصحراويين بالهجوم على لگويرة يوم 19 ديسمبر 1975م، ودمّرتها وشرّدت سكانها واحتلتها، لكن بموجب اتفاق البوليساريو وموريتانيا يوم 5 غشت 1979م، خرجت موريتانيا من الصحراء الغربية ومن لگويرة طبعًا. احتل المغرب الجزء الذي كانت تحتله موريتانيا، لكنه لم يصل إلى مدينة لگويرة، وبقيت خالية إلى اليوم.
لماذا أثيرت ضجة حول لگويرة الآن؟
بدأت الضجة الحالية يوم 1 أكتوبر 2026م، عندما ذكر الأمين العام للأمم المتحدة، في الفقرة 8 من تقريره بشأن الصحراء الغربية، الذي يحمل رقم S/2026/781، أنه: «خلال الجولة الثانية من المفاوضات (مدريد، 8 و9 فبراير 2026)، والجلسات اللاحقة، شددت موريتانيا على ضرورة إنشاء لجنة تتولى توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه، على أساس التوافق».
أثار هذا الطلب الغامض حفيظة الصحراويين واستغرابهم، لأن الحدود مرسومة وواضحة ومعروفة، ولا تحتاج إلى دراسة ولا إلى مراجعة. تناول الصحراويون الموضوع في إعلامهم بقوة، خاصة ما تعلق بالعبارات التي تقول: «توضيح الحدود… تشكيل لجنة… على أساس التوافق». هذه العبارات أثارت الكثير من الريبة: ما معنى توضيح الحدود؟ الحدود بين مَن ومَن؟ وما معنى «على أساس التوافق»؟ مَن يشكل للجنة وممن تتكون؟ التوافق بين مَن ومَن؟ حتى الآن، حسب علمي، لا تزال موريتانيا ملتزمة الصمت.
وزاد الأمر تعقيدًا عندما نشرت مجلة Jeune Afrique (جون أفريك)، الفرنسية الموالية للمغرب، مقالًا يوم الأحد 18 أكتوبر 2026م بعنوان: «بين الصحراء والمحيط، بلدة صغيرة هي لكويرة تثير اهتمام موريتانيا». بحسب ما أورده المقال، فإن موريتانيا تسعى إلى الحصول على اعتراف بسيادتها على مدينة لكويرة، في سياق المفاوضات الجارية بشأن مستقبل الصحراء الغربية. وبما أن المقال صدر من قلب فرنسا، فيبدو أن الأمر أصبح جديًا، وأن موريتانيا متهمة فيه بأنها تحيك شيئًا ما في الخفاء مع المغرب. وحسب ما هو متداول، فإن موريتانيا تريد السيادة على مدينة لكويرة إذا انضمت الصحراء الغربية إلى المغرب بموجب ما يسمى بالحكم الذاتي، وأن المغرب لا يمانع في ذلك إذا اعترفت له موريتانيا بالسيادة على الصحراء الغربية وسحبت اعترافها بالجمهورية الصحراوية.
إذا كان هذا صحيحًا، فيبدو أن موريتانيا سنة 2026م فكرت بعقلية موريتانيا سنة 1975م. ففي سنة 1975م، اعتقدت موريتانيا أن القضية حُسمت لصالح المغرب، فقبلت أخذ جزء من الصحراء الغربية. والآن، في سنة 2026م، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه؛ أي إن موريتانيا تعتقد أيضًا أن القضية حُسمت لصالح الحكم الذاتي، وأن ضغط ترامب وإسرائيل سيحسمان القضية لصالح المغرب، فقررت المطالبة بجزء من الصحراء الغربية.
منذ تطبيع المغرب العلني مع الكيان الصهيوني سنة 2020م، تم تداول بعض الأخبار مفادها أن الإمارات جزء من ذلك التطبيع، وأن لديها مخططًا لبناء ميناء في مدينة لكويرة، وشراء ميناء نواذيبو، وبناء ميناء في مدينة الداخلة الصحراوية المحتلة. وتعزز هذا المشروع أكثر عندما أعلن المغرب ما يسمى بالمبادرة الأطلسية، التي تهدف إلى ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي.
لكن على موريتانيا أن تفهم عدة أشياء: أولًا، قبل نشوب أي خلاف بين الصحراويين والموريتانيين حول الموضوع، هناك اعتقاد أولي عند الصحراويين وعند الموريتانيين العقلاء بأن مَن يروّج لمثل هذه الأفكار هو اللوبي المغربي في موريتانيا، الذي يتقوى ويضغط كي تطبّع موريتانيا مع الكيان الصهيوني، وتنضم إلى المبادرة الأطلسية وأنبوب الغاز النيجيري، وتعترف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وتسحب اعترافها بالجمهورية الصحراوية. ثانيًا، على موريتانيا ألّا ترتكب خطأً مثل خطأ سنة 1975م، وتطمع فيما ليس لها، فتكون العاقبة سيئة. ثالثًا، الحكم الذاتي فشل، ولا توجد قوة تستطيع فرضه على الصحراويين، ولن يُطبّق حتى لو تبناه ترامب ونتنياهو. رابعًا، المبادرة الأطلسية المغربية فشلت، والدليل على ذلك أن الدول التي كانت ستشترك فيها، مثل النيجر ومالي، تركتها وتوجهت نحو الجزائر.
الآن، على موريتانيا أن تنظر في مرآتها جيدًا، وتفكر مليًا، وتقف في الجانب الصحيح من التاريخ، وتخرج عن صمتها فيما يتعلق بكل هذه الأخبار المتداولة التي تتهمها بالعمل في الخفاء مع عدو المنطقة التاريخي، وهو المغرب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!