عمال يظهرون قبل الاستيراد ويختفون بعده!
التصريح بمصالح التأمين ثم الاختفاء في ثلاثة أشهر والعودة مع بداية جويلية
استئناف التصريحات بعمال المؤسسات تزامن مع فترة تحرك ملفات الاستيراد
العنوان والعمال والقدرات وحجم الطلب… كل المعطيات أصبحت قابلة للمقارنة
كشفت مصادر من قطاع التجارة الخارجية عن مؤشرات رقمية لافتة ظهرت في أثناء تحليل بيانات بعض المؤسسات المعنية بملفات الاستيراد، أبرزها تسجيل عمال لدى مصالح الضمان الاجتماعي خلال الفترة الممتدة من جانفي إلى مارس 2026، قبل أن تختفي التصريحات بالعمال تماماً خلال أفريل وماي وجوان، ثم تعود من جديد بداية من جويلية وتستمر إلى غاية نهاية سبتمبر، بالتزامن مع الفترة التي تعرف إيداع ودراسة البرامج التقديرية للاستيراد.
وأوضحت المصادر أن هذا النمط لا يشكل في حد ذاته دليلاً على مخالفة، لكنه يمثل مؤشراً غير عادي يستوجب التحقق من حقيقة النشاط والوضعية الفعلية للمؤسسات المعنية.
وبحسب ذات المصادر، فإن المنصة الرقمية التي أطلقتها وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات بدأت تكشف مؤشرات أخرى من خلال ربط بيانات كانت تُدرس سابقا بشكل منفصل، من بينها عدد العمال، والعناوين، والتسجيلات الإدارية، والوثائق والقدرات المعلنة وحجم طلبات الاستيراد، حيث ظهرت حالات لمؤسسات بعدد محدود جداً من العمال مقابل طلبات استيراد بمبالغ ضخمة، إلى جانب تكرار عناوين ومواقع جغرافية وبيانات أو صيغ وثائق بين متعاملين مختلفين، وتسمح هذه المعالجة الرقمية بتحديد الملفات التي تستوجب التدقيق والتحقق الميداني، والانتقال من مجرد التأكد من اكتمال الوثائق إلى فحص مدى تطابق الملف مع الواقع الاقتصادي للمؤسسة.
وفي السياق، كشفت “الشروق” أن المعالجة الرقمية لملفات الاستيراد بدأت تكشف مؤشرات غير عادية لدى بعض المؤسسات، بعد دخول المنصة الرقمية الخاصة ببرامج الاستيراد، التي أطلقتها وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، مرحلة تحليل وربط البيانات، وأوضحت أن المنصة لم تعد مجرد فضاء لإيداع الملفات ومعالجتها، وإنما أصبحت تسمح بمقارنة بيانات المؤسسات المتعلقة بالعمال المصرح بهم، والتسجيلات الإدارية، والعناوين، والوثائق، والقدرات المعلنة، وحجم طلبات الاستيراد، وهو ما أظهر أنماطا لم يكن من السهل رصدها عند دراسة كل ملف بمعزل عن غيره.
وبحسب ذات المصادر، فإن أبرز المؤشرات التي لفتت الانتباه ظهرت عند مقارنة تصريحات بعض المؤسسات بالعمال لدى مصالح الضمان الاجتماعي، حيث كانت هذه المؤسسات تتوفر على عمال مصرح بهم خلال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2026، من جانفي إلى نهاية مارس، قبل أن تختفي التصريحات بالعمال تماماً خلال أفريل وماي وجوان، لتعود من جديد بداية من جويلية وتستمر إلى غاية نهاية سبتمبر. وأكدت المصادر أن هذا التغير لا يمثل في حد ذاته دليلا على مخالفة، غير أن تزامنه مع الفترة التي تبدأ فيها ملفات الاستيراد في التحرك وإيداع ودراسة البرامج التقديرية للاستيراد جعله من بين المؤشرات التي تستوجب التدقيق والتحقق من الوضعية الحقيقية للمؤسسات المعنية.
هكذا تربط المنصة الرقمية المعطيات لكشف التجاوزات
وأفادت مصادر القطاع بأن أهمية المنصة تكمن في قدرتها على ربط معلومات كانت في السابق موزعة بين ملفات وتصريحات وسجلات مختلفة، إذ يمكن أن تبدو كل وثيقة سليمة عند فحصها منفردة، بينما تكشف عملية المقارنة بين البيانات عن تناقضات أو أنماط غير عادية، ومن بين المؤشرات التي بدأت تظهر، بحسب المصادر، وجود مؤسسات لديها عدد محدود جدا من العمال، مقابل طلبها مبالغ ضخمة للاستيراد، إلى جانب تطابق غير طبيعي في بعض البيانات الإدارية بين مؤسسات مختلفة، وتكرار عناوين أو مواقع جغرافية لدى عدد من المتعاملين، فضلا عن تشابه في صيغ أو بيانات بعض الوثائق الإدارية ضمن ملفات مختلفة، وتغيرات في التصريحات المتعلقة بالعمال تتزامن مع فترات معالجة ملفات الاستيراد.
وأكدت المصادر أن اجتماع هذه المؤشرات لا يعني تلقائيا وجود مخالفة أو جريمة، وإنما يجعل الملف بحاجة إلى تحقق أعمق، باعتبار أن المنصة لا تصدر أحكاماً مسبقة، بل تكشف الأنماط غير العادية وتضعها أمام أجهزة الرقابة المختصة للتحقق منها إدارياً وميدانيا.
وبحسب ذات المصادر، فإن الرقمنة أحدثت تحولا في طبيعة الرقابة، من مجرد التأكد من اكتمال الوثائق إلى فحص مدى انسجام المعلومات الواردة في الملف مع بعضها ومع الواقع الاقتصادي للمؤسسة، فالمؤسسة الاقتصادية التي تمارس نشاطاً حقيقياً يفترض أن تكون لها قصة متكاملة تشمل العمال، والنشاط، والمقر، والقدرات، والحركة الاقتصادية، والإنتاج أو الخدمات، والمعاملات، واحتياجات الاستيراد التي تتناسب مع طبيعة نشاطها وحجمها، وعندما تظهر تناقضات بين هذه العناصر، فإن ذلك يشكل مؤشرا يستدعي التحقق، دون أن يمثل حكماً مسبقاً على المؤسسة.
وترى المصادر أن هذه الآلية تجعل المنصة أداة لتوجيه الرقابة نحو الملفات التي تحمل مؤشرات غير عادية، بدل التعامل بالطريقة نفسها مع آلاف الملفات، بما يسمح برفع فعالية عمليات التدقيق وتركيز الجهد على الحالات التي تستوجب التحقق.
المؤشرات الرقمية تقود إلى الميدان… والاستيراد تحت المجهر
ولا تتوقف عملية الرقابة عند حدود التحليل الرقمي، إذ تسمح المؤشرات التي تفرزها المنصة بتوجيه عمليات التحقق الميداني، خاصة للتأكد من وجود المؤسسة فعلياً وممارستها للنشاط المصرح به، ووجود العمال المصرح بهم، ومدى تناسب الإمكانيات البشرية والإنتاجية مع حجم الاستيراد المطلوب.
كما تشمل عملية التحقق، بحسب المصادر، التأكد من أن العنوان المصرح به يمثل فعلاً مقر المؤسسة، وأن الوثائق المقدمة تعكس واقعا اقتصاديا حقيقيا، وأكدت المصادر أن المنصة لا يمكنها بمفردها الإجابة عن هذه المعطيات، لكنها تحدد بشكل أدق الملفات التي تستوجب التدقيق، وتسمح بتوجيه أجهزة الرقابة نحوها.
ويأتي هذا التطور، وفق مصادر القطاع، في سياق الحرص على حسن تسيير موارد البلاد من العملة الصعبة، والتأكد من أن الاستيراد يوجه إلى مؤسسات حقيقية وذات نشاط فعلي، ويوفر المواد والمدخلات الضرورية للإنتاج ويساهم في خلق القيمة وفرص العمل، وتؤكد المصادر أن الهدف ليس التشكيك في المؤسسات التي تمارس نشاطاً اقتصاديا مشروعا، وإنما التمييز بين المؤسسة التي تملك نشاطاً وقدرات فعلية تتناسب مع طلبات الاستيراد، وبين الملفات التي تظهر فيها مؤشرات تستوجب التحقق، وبذلك، بدأت المنصة الرقمية تغيّر قواعد التعامل مع ملفات الاستيراد، بعدما أصبح بالإمكان ربط البيانات وتحليلها زمنيا وجغرافيا وإداريا، وإظهار تناقضات قد لا تظهر عند فحص الوثائق منفردة.
وما تكشفه المنصة، بحسب ذات المصادر، لا يمثل أحكاما نهائية، وإنما مؤشرات تفتح الطريق أمام التحقيق والتدقيق، وفي حال ثبوت أي تلاعب أو تحايل، تتخذ الإجراءات اللازمة وفق القوانين والتنظيمات المعمول بها، فالرقمنة، وفق هذه المقاربة، لم تعد مجرد وسيلة لتسريع المعاملات وتقليص آجال معالجة الملفات، وإنما تحولت إلى أداة رقابية قادرة على اكتشاف الأنماط غير العادية، ووضع ملفات الاستيراد أمام اختبار أكثر دقة: مدى تطابق البيانات المصرح بها مع الواقع الاقتصادي للمؤسسة.