عمرة رمضان لمن استطاع إليها سبيلا
الخبر الذي نشرته “الشروق” بحر الأسبوع الحالي عن إمكانية تقليص حصة الجزائر من فرص مناسك العمرة من 80 ألفا خلال شهر رمضان المعظم إلى حوالي عشرة آلاف، هز الكثير من العائلات الجزائرية، التي ولّت وجهها نحو عمرة الشهر الفضيل، بعد أن أصبح الحج ليس بإمكان حتى من استطاع إليه سبيلا ماديا وصحيا، منذ أن دخلت القرعة في نهاية سبعينيات القرن الماضي ضمن الاستطاعة الإدارية، وبقيت الجوازات الهدية لكبار القوم فقط.
وإذا كانت المملكة العربية السعودية قد أبرقت منذ بضعة أشهر إلى مختلف الدول، عدم إمكانية تكرار رقم ثلاثة ملايين معتمر، الذي سجلته في رمضان الماضي، بسبب ورشات توسعة الحرم المكي، وبرامج الإسكان الكبرى، من هدم الأبراج وإعادة إنجاز مدينة جديدة إلى غاية 2016، فإن وزارة الأوقاف في الجزائر وخاصة هيئة بربارة بدت غير معنية بمحاولة الإبقاء على حصص الجزائر كما فعلت مصر وماليزيا وغيرهما من الدول، وهي إلى حد الآن شبه مُغيّبة عن الحدث، وربما قانعة وراضية بالحصة المجهرية المرشحة للتقلص، ما دامت جوازات الجوائز متوفرة، وما دام نقص الحصص معناه تقلص الشكاوى، لتبقى الوكالات السياحية الجزائرية وعددها قارب مئتي وكالة على المستوى الوطني وعشاق بيت الله الحرام وعددهم عدد الشعب الجزائري، يعيشون هاجس الخوف من أن تصبح العمرة أيضا لمن استطاع إليها سبيلا، حتى ولو توفرت في صاحبها استطاعة المال والصحة.
وكانت الجزائر خلال العام الماضي، كما قال سفير المملكة العربية السعودية في الجزائر، قد قاربت بعدد معتمريها رقم النصف مليون زائر لبلاد الحرمين، ودخلت الجزائر ضمن كبار بلاد المعمورة التي يعتمر سكانها بهذا العدد الكبير، رغم أن غالبية المعتمرين يختارون شهر الصيام وأيضا مناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وجاوز رقم المعتمرين المتوجهين إلى البقاع المقدسة في رمضان الماضي ثمانين ألفا من الجزائر فقط دون عدّ أفواج المهاجرين، وأصبحت العمرة “تجارة” مربحة بالنسبة إلى الكثير من الوكالات السياحية التي افتتح بعضها وكالاته من أجل العمرة فقط، في غياب سياحة حقيقية في الجزائر، سواء داخلية أم خارجية، أم حتى القادمة من بقية البلدان، ودخلت العمرة ضمن يوميات الجزائريين والتقاليد الاجتماعية، حيث تحتفل العائلات بالمعتمر، وما لا يقل عن مليون نسمة يكونون معنيين خلال الشهر الفضيل بتوجه ذويهم إلى البقاع المقدسة، بينما تحولت السفرية إلى ضرورة بالنسبة إلى الذين أوتوا بسطة من المال بمعدل مرة واحدة في السنة على الأقل، وأمام تحسن أحوال عشرات الآلاف من الجزائريين من الناحية المادية، صارت العمرة في حد ذاتها مبتغى الملايين من الجزائريين قبل أن يصابوا بالصدمة بسبب إمكانية تقليص حصة الجزائر من جوازات العمرة، كما تحدثت بعض الوكالات عن إمكانية توقيف نشاطها ومنها وكالتا معراج وتيسير، وبدأ التخوف من أن تتحول العمرة ليس لمن حقق الاستطاعة الصحية والمالية المحترمة الحلال، وإنما لأصحاب النفوذ وما يسمى بالشكارة وحتى الرشوة، حيث سيضيف صاحبها لنفسه ولسيرته الذاتية ولبريستيجه لقب المعتمر، وإذا كانت مختلف الوكالات ما زالت تحجز لزبائها تذاكر العمرة قبل الشهر الفضيل لفترة شهر جوان بالخصوص، فإن أصحابها لم يفهموا لماذا تأخرت الوزارة وديوان بربارة عن إخطارهم بالجديد حتى لا يصدموا عشرات الآلاف من زبائنهم وضيوف الرحمان على بعد شهرين فقط من بداية الشهر المعظم، إذ عرفت مختلف الوكالات السياحية خلال هذا الأسبوع هجوما من زبائنها الذين حجزوا أماكنهم لعمرة 2013 من أجل الاطمئنان على رحلاتهم، إضافة إلى الآلاف الذين كانوا إما مترددين أو ينتظرون شهر شعبان ليؤكدوا حجوزاتهم، وبقيت كل أسئلتهم وحيرتهم من دون جواب شاف، بسبب صمت ديوان الحج والعمرة، الذي أبان ابتعاده عن زبائنه وخدمتهم.
وبسبب إفلاس المدرسة الجزائرية، وابتعاد المساجد في عمومها عن المشاكل الاجتماعية التي يعيشها المجتمع، وبقاء الفرد رهن انحراف الشارع، أصبح المعتمرون ينقلون رجالا ونساء بعض الخصال والرسائل الإنسانية السمحاء داخل المجتمع من أكبر ملتقى روحي للبشرية، وصارت العمرة فرصة للتوبة للكثيرين من هفوات الدنيا، ولم يحدث وأن احتج الجزائريون على الأثمان الغالية التي تتفضل بها الخطوط الجوية الجزائرية وهي الأغلى في العالم وأسعارها ضعف ما تقترحه خطوط جيراننا، وابتلعوا دائما سوء التنظيم الذي هو أسوأ من تنظيم رحلات مناصري كرة القدم، فكانوا يجمعون المال على مدار سنوات وأحيانا عشرات السنوات أو العمر كله لأجل زيارة قبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ولكنهم هذه المرة أصيبوا بالحسرة وحتى بالحزن، لأن كل هذا الصبر والتضحية قد لا يشفع لهم بزيارة بيت الله الحرام، فبعد أن كان الحج حلما بعيد المنال أصبحت العمرة أيضا بعيدة عن العين والأبدان، رغم أنها في القلب دائما.
أصحاب وكالات سياحية حدثونا عن بكاء عجائز جاوزن سن السبعين مثل البنات الصغيرات، عندما أخبرهن أصحاب الوكالات بصعوبة الحصول وربما استحالته على تذكرة السفر للبقاع المقدسة، وكلهن شغف لأجل التواجد في البقاع المقدسة تزامنا مع أحرّ فترة في المملكة العربية السعودية، حيث لا تنزل درجة الحرارة عن الخمسين في مكة المكرمة، كما أن تحويل إقامة الجزائريين في منطقة العزيزية معناه أن أداء ركن الصلاة يوميا سيستهلك من المعتمر بين الذهاب والإياب قرابة الخمسين كيلومترا، وإذا أضفنا لها سن بعض المعتمرين وسوء التنظيم والحرارة الشديدة، فإن السفرية ستصبح جهادا حقيقيا يرى فيه المعتمر نفسه قد أدى المناسك بكل أتعابها في سبيل الله.
والجميل أن الذين سبق لهم أداء مناسك العمرة، هم الأكثر إصرارا على العودة، في شبه إدمان على تعاطي هاته الشعيرة التي تزداد حلاوتها مع تذوّق طعمها. وتشير إحصاءات غير رسمية أن عدد الجزائريين والجزائريات الذين زاروا البقاع المقدسة بين حج وعمرة قد جاوز ستة ملايين نسمة ضمن التعداد السكاني الحالي، مما يعني أن سدس الجزائريين حاليا حطوّا رحالهم قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو رقم مهم يعني معدل معتمر أو حاج من كل عائلة جزائرية، إذا أخذنا بعين الاعتبار الابتعاد النسبي لموقع الجزائر، خاصة مدنها في أقصى الغرب وأقصى الجنوب عن البقاع المقدسة وضعف وسائل النقل في الجزائر وتواضع الأسطول الجوي الجزائري في غياب كامل للسفريات البحرية كما كان الحال في الثلاثينيات والأربعينيات. ومعلوم أن العمرة بسبب فقر الجزائريين في زمن الاستعمار لم تكن ضمن اهتمامات الجزائريين إطلاقا، حيث كان قليلهم فقط يؤدون مناسك الحج ومنهم الأمير عبد القادر الذي حج مشيا على الأقدام والشيخ عبد الحميد بن باديس عبر الباخرة.
ويخشى الجزائريون أن تدخل العمرة عالم البزنسة بما فيها من فساد بعد أن تصبح غير مستطاعة على عامة الجزائريين، خاصة في شهر رمضان المعظم، وستطالها الأيادي الوسخة. وأكد صاحب وكالة سياحية كبيرة لـ”الشروق اليومي” اتصال أصحاب المال والنفوذ في الأيام الأخيرة الذين حجزوا لأوليائهم وأبدوا استعدادهم لدفع المزيد من المال، من أجل عدم تضييع حجوزاتهم، والخوف من أن تصبح سفريات العمرة في المزاد العلني لمن يدفع أكثر، وتدخل عالم الحرام.