عمُرٌ واحد لا تُعلم مدّته!
من حقّ كلّ واحد منّا أن يسعى ليكون في كلّ شؤون حياته أفضلَ وأرقى، صحّةً وعلما ومالا واستقرارا، وليس يجوز لأحد أن يحرّم على عباد الله ما أباحه خالقهم، لكنّ سعي العبد ينبغي أن يكون مشوبا بالحذر على قلبه أن يعْلق بالدّنيا ويركن إليها ويتعلّق بها، وينسى الموت والآخرة.. لو كان يُمنح للعبد في هذه الدّنيا أكثر من عمر وتتاح له أكثر من فرصة، لما كان ملوما بإضاعة عمر واستدراك آخر وتفويت فرصة واقتناص أخرى.. لكنّه عمر واحد يعيشه كلّ عبد في هذه الدّار، والمخيف أكثر أنّه عُمر غير معلوم.
لو كان الواحد منّا يعلم أنّه سيموت بعد 30 سنة مثلا، لكان حريا به أن يبدأ الاستعداد للوقوف بين يدي الله للحساب؛ كيف وهو لا يدري متى يأتيه الموت ومتى يحلّ بداره ويأخذ الأمانة التي أُمِر بأخذها؛ لذلك ينبغي للعاقل الحصيف ألا يغفل عن الموت.. ينبغي لكلّ واحد منّا وهو يحصي أصدقاءه الذين ماتوا وأقاربه الذين حضر دفنهم، أن يستعدّ للقاء الله جلّ وعلا، ويصحّح أخطاءه ويكبح جموح نفسه وينظّم حياته وأوقاته.
إنّنا لو تأمّلنا واقعنا بعين البصيرة لأدركنا أنّ كثيرا منّا قد اختاروا نوعا من التديّن يسوّغ لهم التعامل مع فرائض الدّين وحدوده بانتقائية عجيبة! تجد أحدنا يقضي نهاره يأكل لحوم إخوانه ولا يتورّع عن ظلم هذا وخداع ذاك.. يرابي في تجارته ويغش في بيعه.. يسرق من عمله ويتهاون فيه ويتكاسل عن أداء واجبه.. يأكل الرّبا ويعطي الرشى.. يصرّ على أذية جاره وظلم إخوته وأخواته.. ثمّ في مساء كلّ يوم، حينما يفرغ من معاركه، يلبس قميصا أبيض ويتّجه إلى المسجد ليصلي المغرب والعشاء، ويظنّ أنّه قد أدّى ما عليه! لكنّه في قرارة نفسه حينما يتذكّر الموت يشعر بأنّه غير مستعدّ للّقاء والحساب، فلا يجد إلا أن يسلّي نفسه بأحوال كثيرين من أمثاله، وتخدعه نفسه -في المقابل- بأنّ اللّقاء لا يزال بعيدا أوانه! وتنسيه أنّ الموت أقرب إليه ممّا يتوقّع وأسرع إليه ممّا يحسب.
الموت لا ينتظر أن يتغير لون الشعر إلى الأبيض، أو أن ينحني الظّهر وتتثاقل الخطى.. الموت قد لا ينذر العبد بمرضٍ أو وهن.. هو مقدّرٌ ومكتوب في اللّحظة التي يقضي بها الله وفي المكان الذي يختاره سبحانه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.. لا أحد يدري متى وأين ستكون الخاتمة، والأهمّ من ذلك أن لا أحد يدري على أيّ عمل تكون الخاتمة، وعلى أيّ حال يكون الرّحيل وتطوى الصّحيفة؟
في الأيام القليلة الماضية، تداولت الأوساط الإعلامية ووسائط التواصل، خبر وفاة مغن نصراني لبناني، في ريعان شبابه.. أحيى حفلا راقصا في سوريا الجريحة برعاية المترفين الراقصين على الأشلاء والدّماء، وفي طريق عودته إلى لبنان رفقة صديقته منسّقة أعماله، حصل له حادث مرور مروّع أدّى إلى وفاته مع صديقته، وقد أُجهد رجال الإسعاف في إخراجه من السيارة.. لقي الله بهذه الخاتمة، نسأل الله العافية.. تُر، ماذا كانت آخر كلماته؟ هل كان يتخيّل للحظة أن نهاية عمره ستكون مباشرة بعد ذلك الحفل الصاخب الماجن؟ تُر هل كانت التوبة تخطر بباله؟ هل كان يفكّر في المال الحرام الذي يتقاضاه؟ أم تراه كان غافلا عن كلّ هذا.
وفي مقابل هذه الخاتمة السيئة، هذه قصّة خاتمة إمام مسجد نحسبه من الصّالحين، من بلادنا الجزائر، توفي يوم الحادي والعشرين من أوت الماضي، ببلدية الشريعة، ولاية تبسة.. خرج مع زميل له في نزهة، وحين عودتهما إلى المسجد، قال له الزّميل: أراك متعبا، خذ قسطا من الراحة، وأنا سأدخل المسجد لأقرأ وردي من القرآن. قال الشيخ لمرافقه: لو نزعت قميصك لأغسله لك، وعندما دخل الشيخ إلى منزله، قال لزوجته: اغسلي هذا القميص، ومكث هنيهة ثم دعا زوجته وقال لها: اتصلي بأخيك كي يأخذك عند أهلك، وأوصيك أن تعتني بنفسك وولدي! قالت له: ولماذا؟ قال لها: أنا سأموت. قالت: لا تقل هذا. قال: قلت لك أنا سأموت، اعتني بنفسك وولدي. ثم أخذ الماء وجعل يبرد وجهه وهو يردد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. جعل يرددها وأغمض عينه وفارق الحياة.. هكذا رحل هذا الشابّ من أهل القرآن أهل الله وخاصته، رحمه الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنته.
إنّه لا أروع ولا أنفع من أن يرتّب الواحد منّا حياته، وينجز كلّ أعماله المؤجّلة، وينظّم وقته، ويكون مستعدا في كلّ يوم وفي كلّ لحظة للقاء مولاه والوقوف بين يديه للحساب؛ لا دَين عليه ولا مظلمة عنده لأحد.. يقول أحد الأزواج: “سافرتْ زوجتي لحضور عرس لأحد الأقارب، وكعادتنا جددنا كتابة وصايانا قبيل السفر. عدت إلى البيت بعدما أوصلتها وأولادنا، فوجدت وصيتها على مكتبي؛ وجدتها وصيةً بلا أحمال أو أثقال؛ تستغفر ربها وتستسمح زوجها، وتلتمس بركة دعاء والدها، وتوصيني خيرا بأولادنا وإخوتها، وإبلاغ السلام لبعض صديقاتها، وتوصيني بتقوى الله وحسن الصنيع في الدعوة ومع خلق الله.. هكذا وصيتها؛ ليس عليها دين لأحد، وليس هناك أعباء تحملها إلى الآخرة نحو أحد.. يقول الزّوج: قارنت وصيتها بوصيتي، فوجدت في وصيتي حقوقا للخلق عليَّ أطلب من أهلي أداءها، وديونا أوصي بقضائها، وأمانات أوصي بإيصالها، ووصية شرعية أطلب تنفيذها، وحقوقا معنوية أطلب استسماح أهلها.. وجدت فيها استبراءً لذمتي من فلان وعلان، ووجدت فيها أمورا تتجدد وتتغير بتغير الزمان.. قلت في نفسي: ليتني أستبدل هذه الوصية بتلك. ليت وصية زوجتي هي وصيتي!”.
ماذا خسرت هذه الزّوجة الصّالحة بهذه الحياة الطيّبة التي تعيشها؟ وماذا خسرت هذه الأسرة المسلمة في هذه الطّريق التي تسير فيها وتسلكها؟ حياة هادئة هانئة بعيدة عن ضجيج الحياة، بعيدة عن التنافس في الحطام الفاني وفي المظاهر الزّائفة الزّائلة.. حياة محورها السّعي في طلب رضوان الله والرغبة في جنّته.. وفي المقابل، ماذا كسبت بعض نسائنا وبناتنا اللاتي أصبحت الدّنيا الزّائلة والمظاهر الزائفة همّهنّ الأكبر؟ لا حديث لهنّ في هذا الزّمان، زمان موت الفجأة، إلا عن موضة الألبسة ومصوغات الذّهب.. تخرج المرأة من بيتها وقد لبست ما قيمته الملايين ممّا يجلب لها كثيرٌ منه غضب الله، وتتعطّر بأحدث أنواع العطور، وتضع على عينيها نظارات خيلاء وعُجب، وإذا كانت تملك سيارة فالخيلاء يكاد يبلغ عنان السّماء، وهي عند الله ربّما لا تزن جناح بعوضة، ولا يعرفها في السّماء أحد، وربّما تكون ممّن أخبر عنهنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بقوله: “شرّ نسائكم المتبرجات المتخيلات وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم” (سنن البيهقي).. ولنا أن نتأمّل هذا الوصف الذي أصبح ينطبق -مع كلّ أسف- على كثير من نسائنا وبناتنا، بل وينطبق كذلك على بعض شبابنا الذين اختاروا حياة المظاهر على حياة الجواهر، واهتموا بالأرصدة والجيوب وأهملوا الأرواح والقلوب.
فلنتق الله في أنفسنا، ولنراجع حساباتنا ما دمنا في مهل من أعمارنا.. ندخل المقابر كلّ أسبوع تقريبا، ونكتب التعازي في وسائل التواصل كلّ يوم تقريبا، ثمّ نصرّ على حياة الغفلة والفوضى؛ على إضاعة الصّلاة واتّباع الشّهوات والعكوف على التفاهات والملهيات! الموت لن يعطينا موعدا مسبقا لنتوب إلى الله ونصلح أحوالنا وننظّم حياتنا، بل سيأتي بغتة من دون ميعاد، لينقلنا من دار العمل إلى دار الجزاء، ولن تنفعنا حينها الحسرة ولا النّدم.