ما لا يقال
عندما تضلّل الأحزاب مناضليها
عندما ارتفعت أصوات قادة الأحزاب والمجتمع المدني، في العام الماضي، تطالب وتناشد وتترجّى بوتفليقة للترشح لعهدة ثالثة، تساءلت: أوَليس الأحرى بهم مطالبتهم بتعديل الدستور أولا، وتنبهت الرئاسة إلى هذا الخطأ فأعطت تعليمات لوسائلها السمعية البصرية لتغير “رنّة الأغنية”، فصارت تطالب بتغيير الدستور. وها هو السيناريو يتكرر بمطالبة بعض الأحزاب الرئيس بحل البرلمان متجاهلة الدستور الذي لا يخوّل له ذلك، وإنما له صلاحية حل المجلس الوطني الشعبي فقط.
-
-
المطلوب توفير النساء
-
-
فرض بوتفليقة على الأحزاب على أن يكون ثلث مرشحيها من النساء، وهذا الكم من النساء لا يتوفر إلا في الأحزاب الإسلامية. وبالتالي فقد اتبع الرئيس نهج دستور 1996 الذي أنشأ سابقة في الديمقراطية وهي “الثلث الرئاسي” المعطّل للبرلمان.
-
وربما أحد الأسباب التي جعلته لا يشكل حكومة جديدة هي أنه لم يجد “الثلث النسوي” المطلوب توفيره في الحكومة الجديدة من ممثلي الأحزاب.
-
يبدو لي أن “تثليث” المجتمع السياسي هو تكريس لواقع لغوي يفترض أن ينتبه إليه المشرّع الجزائري، وهو أنه يشرع باللغة الفرنسية، ويقوم بترجمة النصوص القانونية إلى العربية، فيتم تضليل العدالة، وحين شرّع “قانون الأسرة” بالعربية انتقل إلى تضليل الرأي العام الخارجي بأن الإسلام لا يحترم المرأة فصارت “العدة” مترجمة إلى الفرنسية بـ(التقاعد).
-
إذا كان الرئيس يريد إعادة الاعتبار للمرأة في الجزائر فعليه بمحاربة المفردات التي تنقص منها في اللغة الفرنسية أولا، لأن النصوص التشريعية تكتب بها ولنأخذ مثلا المذكر والمؤنث، فإذا كان هناك مائة امرأة مع رجل، فإن الفعل يكون ذكوريا؛ بمعنى أننا نستعمل (ils) وليس (elles)، وهو منطق اللغة العربية نفسها. وحتى لا تكون المرأة “نائبة” و”مصيبة” وغيرها من الكلمات الذكورية الأصل، فعلى الرئيس إنشاء لجنة لمراجعة اللغة، وتنقيتها من “الاستخفاف” بالمرأة.
-
-
المشكلة في الدستور وليس في البرمان
-
-
ارتفعت مؤخرا أصوات تطالب الرئيس بحل البرلمان لأنه “لا يمثل الشعب”، ووقع جدل بين المدافعين عن حلّه والرافضين لذلك.
-
وكل طرف يمارس التضليل والتعتيم على المواطن حتى لا يعرف مواقع الخلل في النظام الجزائري، وكأن المشكلة سياسية، والعيب في النواب وليس في الدستور الجزائري.
-
والحقيقة هي كالتالي: أولا البرلمان الجزائري يتكون من غرفتين الأولى تكون عبر الانتخاب المباشر من الشعب، والثانية تتألف من صنفين من النواب وهما الأعضاء الذين يعينهم الرئيس وعددهم 48 عضوا، والأعضاء الذين ينتخبون من أعضاء المجالس المحلية وعددهم 96 عضوا، وهذه الغرفة لا يخول الدستور للرئيس حلها. بل إن الثلث الذي يعينه أو بتعبير أدق تختاره المصالح يسمى بالثلث المعطل، فإذا لم يصوت على أي قانون لا يمرّ. ومن يتحكم في الثلث الرئاسي يتحكم في البرلمان بغرفتيه.
-
وإذا لم يتغير الدستور فلا معنى لوجود النواب في الغرفتين.
-
لقد جاءت السلطة بالثلث المعطل تفاديا لأي أغلبية برلمانية محتملة، ويقول الدكتور محي الدين عميور، وهو عضو من الثلث المعطل أن دستور 1996 “ينطلق من خلفية واحدة هي إغلاق الباب أمام تحكم اتجاه سياسي معيّن” ويصف الدستور بـ”الخنثى ” فلا هو رئاسي ولا هو برلماني” (كتاب لله وللوطن ص:340).
-
فهل جاءت الدعوة إلى حل البرلمان أو الإبقاء عليه لتضليل الشعب أم أنها مجرد عملية تضليلية تقوم بها قيادات حزبية “لذر الرماد” في عيون مناضليها.
-
إذا بقينا نتعامل مع “المرأة” كحصة أو “كوطة” في النظام السياسي، فالأفضل أن نعود إلى منطق الحزب الواحد الذي كان أكثر فاعلية مما يطرح علينا الآن.
-
فالدستور الذي ولد في عهد زروال أعادنا إلى مرحلة ما قبل دستور 1976، لأنه جرّد الأحزاب من مضامينها الإيديولوجية والعقدية، بحيث لا يوجد حاليا في بلادنا حزب إسلامي أو عروبي أو أمازيغي وما هو موجود هو هياكل حزبية من بقايا تعددية دستور 1989.
-
-
الاعتراف سيد الأدلة
-
-
أعترف بأنني لم أعد قادرا على استيعاب أن جبهة التحرير الوطني ترفع دعوى قضائية ضد إبن شهيد، لأنه اتهم أمينها العام بأوصاف ليست من شيمته، وأعترف أنني أعجز عن فهم أقلام تسيء إلى الأموات أو من هم على أبواب الرحيل، بعد أن كانت في خدمتهم ذات يوم.
-
وأعترف بأنني لا أستوعب أن يتقاسم سلطاني ومناصرة قميص المغفور له الشيخ محفوظ نحناح، ويدعي كل طرف أنه “قميصه” وهما لم يستطيعا حتى جمع حوارات وتصريحات وبيانات وخطب الشيخ في كتاب يبقى ذكرى، أو يقيما ملتقى دوليا حول فكر محفوظ نحناح يجعل من الشيخ رمزا لـ”الوسطية” في الإسلام.
-
وأعترف بأن ما يسوّق حاليا على مستوى الجدل السياسي هو مجرد تضليل إعلامي، لأن النواب في الجزائر يفقدون “عذريتهم” بمجرد حصولهم على “بطاقة الحصانة” التي لا تسمح لهم بنيل “جواز سفر أحمر”، كما كانت في عهد الحزب الواحد.
-
وأعترف، وهذا سيّد الأدلة، أن الإهانات التي تلحقها شرطة الحدود الأجنبية بنوابنا في الخارج أكثر مما يلحق بالمواطن العادي.
-
وإذا كان النائب يُهان في المطارات الدولية والوزراء يفتشون والكل راضٍ بالذّل فهل تجديد البرلمان هو لإذلاء مواطنين آخرين أم أن 30 مليونا هي التي تدفع الأحزاب إلى المطالبة بالحل، وتدفع الأحزاب الأخرى إلى الاعتراض خوفا من فقدان الراتب، علما بأنه تم تعميمه على جميع النواب المتقاعدين من عهد أحمد بن بلة إلى اليوم.
-
المؤكد أن الهدف هو أن الأحزاب تنال من خزينة الدولة على كل “رأس نائب” ما يقارب من راتبه الشهري، وبالتالي فالهدف هو “خزينة الحزب” وليس الحزب ولا مناضليه.
-
فلماذا لا نعترف بأننا لا نملك أحزابا وإنما “سماسرة” في السياسة، ولا نملك وزراء وإنما تجار صفقات، ولا نملك مواعيد انتخابية وإنما “حفلات زردة ونهب للمال العام”.
-
لو أن هناك من يحترم نفسه، ويتحمل مسؤوليته ممن ترشحو للرئاسيات أن يقدموا كشفا للرأي العام حول الأموال الموظفة في الحملة. ولو أن هناك معارضة في الجزائر لألتفّ حولها الشعب. أعتقد أنني حتى الآن لا أعرف موقفا معلنا وثابتا غير موقف عبد الحميد مهري وعلي بن حاج وطابو. أما بقية الأصوات فهي تراعى “الربح والخسارة” في ظهورها أو اختفائها. ومن يفكر في تحويل “العزة والكرام” إلى مجرد “أوراق صحفية” عليه أن يدرك أن العزة والكرامة ليست شعارا نبيع به “الأخبار والمساندة” لأنهما ضمير الشعب الذي لا يستطيع أحد انتزاعه منه. فمتى تدرك الأحزاب أنها تقوم بحملات تضليلية لمناضليها مثلما تقوم بعض وسائل الإعلام بالحملة نفسها في مناسبات معينة.