عندما تُدار السياسة الدولية بلا أصدقاء!
باتت السياسة الدولية اليوم مُتقلِّبة إلى درجة تضطرنا إلى البقاء يقظين استراتيجيا تجاهها ليس يوما بيوم، بل لحظة بلحظة! ليس هناك مَن يُؤتَمن جانبه! في لحظة معينة قد تتبدل التحالفات ويُصبح الأصدقاء أعداء، ونادرا ما يحدث العكس! أعضاء أكبر حلف عسكري في العالم اليوم يكيدون لبعضهم البعض! أمريكا تتخلى عن أوروبا وكأنها لم تكن إِنْ وجَدَت في روسيا والصين ما يخدمها، لا يهم أن تضطرب أوروبا أو تتحول “باريس الآمنة” إلي ساحة لِصراع داخلي لا ينتهي أو ربما حتى إلى حرب أهلية. وأوروبا تكتشف أن أوكرانيا، قد تقبل بتسوية مع روسيا على حسابها إذا ما اتفق الرؤساء “ترامب” و”بوتين” و”تشي جين بينغ” في منتصف الشهر المقبل بمدينة “شنزن” بالصين على ذلك، وسيذهب الدعم الأوروبي لها الذي كان بملايير اليوروات هباء منثورا! وبعد هذه التسوية سيعود الغاز الروسي للمرور عبر أراضيها، وستقبل ألمانيا بذلك وتضطر فرنسا وبقية دول الاتحاد الأوروبي للسير على نفس الطريق، وتربح شركة “بلاك روك” الأمريكية وروسيا المليارات مقابل أن ينتعش الاقتصاد الأوروبي قليلا، وحينها سيتأكد الأوروبيون أن بريطانيا قد خدعتهم بتحريضها المستمر للحرب على روسيا وتخويفها من أن أوروبا ستكون الهدف القادم للكرملين دولة بعد دولة. وبالنتيجة سيعرف الجميع أن لا حليف آمن حتى بين الأصدقاء، وأن لا ثقة حتى في مَن كان يطلب المساعدة لتعزيز ما أسماه خط الدفاع الأول على أوروبا من الشرق! فقد باتت بعض التقارير تتحدث اليوم عن تحويل جزء هام من المساعدات المالية الموجهة لِأوكرانيا إلى جهات أخرى لملء حسابات سياسيين ومدافعين وهميين عن الأمن الأوروبي، وتقارير أخرى تُشير إلى أن كمية معتبرة من الأسلحة التي تم إرسالها لهذا البلد لِمواجهة العدو الروسي المُفترَض! وُجِدت مُستخدَمَة في الشرق الأوسط لإثارة مزيد من الفتن وإشعال مزيد من الحروب، بل ووُجِدت في السودان ودول الساحل الإفريقي بين أيدي مرتزقة يُهدِّدون ويقتلون آلاف الأفارقة الأبرياء للحصول على مزيد من الذهب والثروات! وقدّرت أوساط من لجنة الأمن والدفاع الأوروبية ذاتها أن حجم هذه الأموال والأسلحة وصل إلى ثلث ما كان يُرسل للدفاع عن الحدود الشرقية لأوروبا الغربية! (تصريحات Herve Juvin و(François Martin الأخيرة.
ذات الأمر يتعلق بما يُعرَف بالتعاون التكنولوجي بين الدول ودعمها لبعضها البعض! مَن كان يتصور أن “إيلون ماسك” الداعم لأوكرانيا يوقف عنها بلا مقدمات خدمة “ستارلينك” والجانب العسكري منه “ستارتشايلد” لكي لا تُرى الصواريخ البالستية الروسية وهي تضرب مواقع حسّاسة داخلها؟ وعند تحميله مسؤولية ما حدث يعتذر بكون “ستارتشايلد” تُدار بعقود مع وزارة الدفاع الأمريكية وتخضع للسياسة الخارجية للولايات المتحدة وليس لِشركته الخاصة!
أما عندما يتعلق الأمر ببيئة محلية أو إقليمية مشكلاتها مُعقَّدة وتتضارب فيها سياسات الدول والجماعات بشكل حاد، مثلما هو الحال في غرب آسيا (الشرق الأوسط) يصبح الغموض سيد الموقف والتمييز بين الأصدقاء والأعداء من أصعب الخيارات! ولعل هذا ما يسعى الكيان الصهيوني لتحقيقه، حيث يتلاعب تكنولوجيا وأمنيا وسياسيا ببعض الدول المُطبِّعة، موهما إياها بالتعاون والصداقة، وهو في الواقع يحمل أجندات مغايرة تماما بما فيها الانقلاب الراديكالي على من يصنفهم اليوم ضمن الأصدقاء، إن لم يكن قد بدأ ذلك فعلا!
هل يسمح لنا مثل هذا الوضع العالمي المُتقلِّب أن نتحدث عن وجود أصدقاء؟